التكفير السوبر - مقالات
أحدث المقالات

التكفير السوبر

التكفير السوبر

ماهر فرغلي:

 

مرت جماعات التكفير بأطوار متعددة، لكن المرحلة الأهم بدأت من سيد قطب، وتسربت لباقى المسجونين الإخوان فى الستينات، وظهرت بوضوح فى إعلان «على عبده إسماعيل» ما يسمى (التوقف والتبين)، وهو الذى يعنى عدم الحكم بإسلام أو كفر أى أحد والتوقف فيه حتى يتم التبين من إسلامه، بشروط أهمها أن يكون كافراً بالطاغوت، وهو كل ما يُعبد من دون الله، ويضعون فى ذلك شروطاً وأوصافاً للكفر بالطاغوت، ومنها تكفير الحكام، والحكم بكفر الدول.. إلخ.

تراجع على عبده إسماعيل عن أفكاره لاحقاً، لكن شكرى مصطفى آمن وتعصب لها، وزاد على التوقف والتبين أن اعتقد بكفر مرتكب أى معصية، سواء من الكبائر أم الصغائر، فهو لا يفرق بين كبيرة أو صغيرة، ولا يؤمن بما ورد بعد القرون الأربعة الأولى من الهجرة، بل وأمر أتباعه بالفرار من الأرض الجاهلية كلها والإقامة فى مكان بالصحراء لإقامة مجتمع إسلامى جديد.

تم إعدام شكرى مصطفى فى القضية الشهيرة لاتهامه بخطف واغتيال الشيخ الذهبى، ليتفرق أتباعه إلى ثلاث جماعات، الأولى تعتنق فكر زعيمهم الراحل، والثانية لا ترى التكفير بالمعصية وترى التكفير فيما دون ذلك، والثالثة تكفر الأولى وتكفر الثانية لأنها لم تكفر الكافر وهى الأولى!

وتوالى إنشاء جماعات التكفير، وأصبحنا نسمع ونرى (جماعة القطبيين، والشوقيين، والناجون من النار)، والاختلافات بينهم فى الدرجة لا فى النوع، حيث بدأنا نقرأ ونسمع عن فتاوى على وزن: ما حكم العمل الحزبى ودخول الأحزاب؟

هل يُكفَّر المسلم بمجرد عيشه فى ديار الكفر؟

هل يجوز التسوق من أسواق الكافرين؟

هل التعليم فى مدارس المرتدين جائز أم ردة؟

هل يجوز الزواج من مرتدة؟

ماذا لو تمترس الطاغوت بمسلمين؟

وذاعت الاختلافات بين تلك الأفكار ومعتنقيها لدرجة وصلت لمسألة الاعتداءات والمعارك والاغتيالات فيما بينهم، ورأينا كيف أن واحداً يكفر الجميع ويقيم جماعة بمفرده، ويعتزل المجتمع ويترك وظيفته الحكومية على أساس أنه لو عمل فى حكومة الكفر فسيصبح كافراً، ويعتزل التعليم إن كان طالباً، ويمنع أولاده من دخول المدارس التى يراها علمانية كفرية.

وصنَّف البعض هذه الأفكار ومعتنقيها أنها (تكفير سوبر) أى مزدوج، إذ إنهم اخترعوا مسائل جديدة، حول كفر علامات المرور والعمل بها لأن الدولة الكفرية هى من تنظم المرور.

واختلفت جماعات التكفير حول مسألة من يحمل الأوراق الثبوتية مثل الجنسية والجواز، ومن يتحاكم للمحاكم، على اعتبار أن مناط التكفير فيها أنها تتبع البلد الذى يحكم بالكفر، وأن تلك الأوراق والمحاكمات بها أوراق مطبوع بها شعارات الدول الطاغوتية، وبدأوا يتساءلون فيما بينهم: ما حكم التجنّس بجنسية الكفار؟

بل وزادوا عليها، ما حكم تحية العلم؟

وماذا لو تم إجبار أحدنا على دخول الجيش الكفرى؟

وما حكم من يلبس زى الكفار مثال البنطلون والبدلة الإفرنجية؟

وكفّر بعضهم بعضاً فى مسائل مثل تقصير اللحية أو حلقها، ولبس جلباب طويل، وعدم التحدث باللغة العربية الفصحى، وتكفير من يستمع إلى القرآن بصوت المقرئين المعروفين على اعتبار أنهم كفار مرتدون.

الغريب أن أصحاب (التكفير السوبر) أباحوا ما يسمى (الاستحلال) أى سرقة أى شىء وكل شىء من المواطنين المرتدين حسب رأيهم، بل واستحلال الأعراض ليس من الشعب فقط، بل من المختلفين معهم من الجماعات الأخرى.

وقد فرّق أمراؤهم وقياداتهم بين الرجل وزوجته حال لم تعتنق أو يعتنق هو الجماعة التى يعتبرون عدم الانتماء لها كفراً وردة، وبعضهم تزوج سيدة وأختها مخالفاً تعاليم الدين والقيم والأعراف، على اعتبار أن إحداهما إذ لم تؤمن بهذا الفكر فهى مرتدة يجوز استحلالها بجوار أختها الزوجة الشرعية المنتمية للتكفير.

ومع إعلان «داعش» لدولته ظهرت مثل هذه المسائل بكل وضوح، حيث كان الاستحلال وقتل الآمنين، وتكفير الناس على العموم، واعتبار الفصائل المناوئة لهم مرتدة.

وظهر ما يسمى السبايا وقطع الرؤوس، وظهرت النقاشات الحادة بينهم حول مسألة العذر بالجهل، وتكفير العاذر، وانقسم التنظيم إلى ثلاث مجموعات يكفر ويقتل بعضها بعضاً، بل ويمتحنون بعضهم مثل الخوارج الأوائل حول تكفير العاذر، وقاعدة من لم يكفّر الكافر فهو كافر.

ودفعت مثل هذه الاختلافات والنقاشات إلى الإفراط فى مسائل التكفير للدرجة التى كفّروا فيها كل الجماعات الأخرى واعتبروها مرتدة، وكفّروا زعماءها مثل الظواهرى، الذى كان من لم يكفره مرتداً، وسجنوا بعض هؤلاء واستتابوهم فى السجون، وقتلوا المئات منهم فيما يُعرف بمذبحة المستتابين، وقد تشابهوا فى ذلك مع مؤسسهم الأول شكرى مصطفى، الذى قرر قتل كل من انشق عن جماعته، وكلف رفعت أبودلالة بأن يقود كتيبة للتخلص منهم، فحاول اغتيال حسن الهلاوى لكنه فشل، ونجحت الكتيبة فيما بعد فى قتل الشيخ الذهبى، بل وقرر شكرى قتل رفعت أبودلالة نفسه لأنه انشق أيضاً فيما بعد.

وهكذا يبدأ التكفير السوبر من سؤال يتبعه آخر، ومن مسألة لأخرى، حتى تطول السلسلة لتشمل الوطن والمجتمع، بل وينفرط الأمر ليكفر الشخص نفسه لأنه أذنب، رغم أن كل البشر خطاؤون، لأنه لا يعترف لا بالإنسانية ولا البشرية.

الوطن

 

Related

Share

Post a Comment

الفئة
علامات البحث