زوجة البغدادي في حوارات "العربية": تائبة أم متطرفة نفدت ذخيرتها - مقالات
أحدث المقالات

زوجة البغدادي في حوارات "العربية": تائبة أم متطرفة نفدت ذخيرتها

زوجة البغدادي في حوارات "العربية": تائبة أم متطرفة نفدت ذخيرتها

هشام النجار:

 

حققت قناة "العربية" وشقيقتها "الحدث" سبقا مهما عبر إجراء حوارات مع اثنتين من زوجات زعيم داعش السابق أبي بكر البغدادي وابنته، وزوجته الثالثة، ما خلق زخما وفتح نقاشات جديدة حول دهاليز التنظيم وأسرار سنوات صعوده وسقوطه وحقائق ما دار في غرف قادته المغلقة.

وعرضت "العربية" التي قدمت على مدار سنوات العديد من البرامج المهمة والوثائقيات في ما يتعلق برصد حركية الجماعات التكفيرية وتفكيك خطابها شهادة لفتاة إيزيدية خضعت للاستعباد في بيت البغدادي، واستضافت مختصين في شؤون الإرهاب وتاريخ جماعات التطرف لدحض محاولات نساء داعش تقديم أنفسهن للرأي العام على أنهن مسلوبات الإرادة أو ساذجات وحتى ضحايا.

واتضح بعد بث الحوارت التي عُرض الجزء الثاني منها أخيرا (الجمعة) وما صاحبها من تعقيبات وردود أفعال واسعة على مختلف وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي فيما يشبه المحاكمة الشعبية قبل القضائية، أن مسألة مشاركة نساء وتحريضهن رجالا على اختطاف واغتصاب وتعذيب وذبح مختلفين في المعتقد من إيزيديين ومسيحيين في العراق وسوريا، أمر مشكوك فيه وبعيد المنال.

ورسمت أسماء محمد الكبيسي زوجة البغدادي الأولى بعناية صورة مخالفة لدورها الحقيقي خلال مسيرة داعش رفقة زوجها والدائرة القريبة منه بحجة أن النساء "تَتبع ولا تُتبع" وأن خليفة التنظيم جعلهن في الظل خوفا من اعتقالهن وعلى أمنه الشخصي، حتى لا تتم محاسبتها من قبل السلطات العراقية أو تتعرض لعمليات انتقام.

وأضعفت هذه المناورة مصداقية أسماء وأظهرت روايتها متناقضة مع الوقائع الموثقة، وهو ما لم يكن ليحدث لو اختارت سلوك الطريق الأكثر توازنا، كونها تغيرت عما كانت عليه بالماضي وبدلت قناعاتها وأبدت ندمها وتوبتها عن تلك الأفكار.

تبييض وجه الإرهاب

لم يشذ كاتب أو مراقب أو مسؤول عن إقرار ما قامت به نساء داعش من أدوار في عمليات الدعاية والتجنيد ونشر الأفكار المتطرفة وتشجيع الآخرين على تنفيذ هجمات، وأنهن لعبن دورا رئيسيا في عمليات القمع واستعباد النساء في المجتمعات التي سيطر عليها تنظيم داعش، قبل أن يحملن السلاح فعليا في آخر أيامه في محاولة يائسة لإنقاذه من السقوط.

ولعبت إعادة تسليط الضوء على مأساة الأقلية الإيزيدية على يد داعش دورا مهما في كشف محاولات زوجات البغدادي التنصل من الجرائم التي ارتكبت بحق الأبرياء من السكان المحليين عبر ممارسة نوع من التقية والباطنية السياسية، وهو تكتيك معهود يتم تدريسه لتطبقه تلك الجماعات في مراحل الاستضعاف.

وجاءت ردود الفتاة الإيزيدية سيبان خليل على مزاعم زوجة خليفة داعش الأولى متوافقة بشكل كامل مع غالبية التقارير الصادرة عن منظمات دولية أو التي أصدرها صحافيون وموثقة بشهادات أشخاص عاينوا الأحداث وعاشوها عن قرب، حيث لم تكن رواية أرملة البغدادي إلا محاولة لتبييض وجه الإرهاب وتبرئة نفسها والظهور في صورة الضحية أمام الرأي العام والأجهزة الأمنية والقضائية.

وقالت سيبان خليل التي كانت ضمن سبايا أُستعبدن ببيت البغدادي إن زوجة الخليفة المزعوم انخرطت في ممارسات التنظيم البشعة واشترت سبايا وتاجرت بهن وأتت ببعضهن إلى زوجها، وكانت تحصل على جزء من أرباح العمليات الإرهابية التي شاركت في وضع الخطط لها.

وتضافرت الشهادات لتؤكد أن بيع السبايا كان شائعا في التنظيم وأن نساءه هن من تولين القيام بهذه المهمة ضمن مهام عديدة أخرى، وأنه كان يجري الشراء بأسعار زهيدة ولاحقا البيع بمبالغ طائلة، وكان يتضاعف السعر إذا كانت السبية خارجة من بيت الخليفة البغدادي.

ومن غير المعقول أن أسماء محمد التي لُقبت بـ”أم المؤمنين” و”أميرة داعش” وتولت مهام قيادية داخل التنظيم تفوق في بعض الأحيان مهام زوجها المنشغل بتأمين تحركاته وإلقاء الخطب، لم تكن على علم بأهداف داعش وطبيعة ممارساته الإرهابية البشعة، في حين أوضحها وأوجد لها المسوغات الشرعية من خلال وثائقة الداخلية ودعايته.

وجمعت بين البغدادي وزوجته الأولى أسماء محمد الكبيسي سمات مشتركة بداية من اعتناق التكفير المُفرط وحب الاستعلاء والنفوذ ما جعلها ترافقه في جميع مراحل حياته دون اعتراض على سلوكه.

وتطورت أدوار الزوجة الأولى لتصبح هي من تدير الاجتماعات المغلقة وتتعاون مع الإرهابيين الدوليين من جنسيات أخرى نظرا لإجادتها اللغة العربية والإنجليزية والتركية، فضلا عن توليها مسؤولية ديوان الحسبة وخلية العضاضات، لفرض الحجاب وغيره من المظاهر الدينية بالقوة.

قصة كايلا مولر

زعمت أسماء محمد أن كايلا مولر التي أطلقت أميركا اسمها على عملية قتل البغدادي تخليدا لذكراها وذكرى الأميركيين الآخرين الذين قُتلوا على أيدي عناصره كانت زوجة للبغدادي

اضطرت في الجزء الثاني من الحوار إلى أن تنفي إجادتها للغة الإنجليزية زاعمة أنها تعلم فقط بعض كلماتها، عندما سُئلت عن دورها في عملية خطف كايلا مولر الناشطة الأميركية مع منظمات الإغاثة الإنسانية التي أُختطفت في سوريا أغسطس 2013، وكشفت المعلومات الاستخباراتية الأميركية أنها تعرضت للاعتداء الجنسي مرارا من قبل زعيم التنظيم أبي بكر البغدادي ثم قُتلت في يونيو 2015.

وزعمت أسماء محمد أن كايلا مولر التي أطلقت أميركا اسمها على عملية قتل البغدادي تخليدا لذكراها وذكرى الأميركيين الآخرين الذين قُتلوا على أيدي عناصره كانت زوجة للبغدادي، فيما أكد والداها أنها لم تتزوجه بل اغتصبها عنوة وأساء إليها، وهو ما نفت أرملة البغدادي صلتها به رغم ما أُشيع عن لعبها دور المترجمة بين البغدادي ومولر.

ولم تحاول زوجة البغدادي الأولى فقط التنصل من التسبب في وفاة عدد كبير من الفتيات الصغار في الموصل وسواها نتيجة الممارسات المُفرطة في القسوة تحت ذريعة إلزامهن بالزي الشرعي، وإنما تنصلت أيضا من المسؤولية عن كل الذين قُتلوا وتشردوا وذاقوا أقسى ألوان العذاب، بجانب الجرائم التي أُرتكبت بحق الإيزيديين التي صنفتها كيانات دولية مثل البرلمان البلجيكي باعتبارها إبادة جماعية.

ونُظر إلى أمهات وزوجات داعش حتى اللاتي لم يشاركن في القتل على أنهن جزء لا يتجزأ من اتجاه الإبادة الجماعية، بوصفهن حارسات العِرق النقي استنادا لقدرتهن الإنجابية على إحلال أجيال من المؤمنين محل من جرى قطع نسلهم من (الكفار)، وهو نوع من الخطاب استوحاه تنظيم داعش من ألمانيا النازية.

وترجع إجابات زوجة البغدادي الأولى المقتضبة والغامضة عن الأسئلة بشأن علاقتها بأبي محمد العدناني المتحدث باسم داعش حينها والرجل الثاني بالتنظيم إلى ما عُرف عن العلاقة الوطيدة التي جمعتهما حيث اشتركا في لعب الدور الأهم في وجود زوجها أو عدم وجوده، ومن منطلق توجيهاتهما معا نُفذت أغلب العمليات الإرهابية التي ارتكبها التنظيم.

وبدت أسماء محمد أكثر النساء الثلاثة (الزوجة الأولى والثالثة نور إبراهيم والأبنة أميمة) دهاء، حيث قصدت التقليل من تأثير الأفكار المتشددة والأيديولوجيا في تشكيل عنصر إرهابي، زاعمة أن زوجها كان إنسانا طبيعيا ولم تظهر عليه بوادر التطرف واللجوء إلى العنف إلا بعد سجنه لمدة سنة بعد أن اعتقلته القوات الأميركية عام 2004.

وأوحى التقليل من تأثير الأيديولوجيا والتركيز على عنصر الاحتجاز في هذا التوقيت من قبل امرأة بهذه المكانة في التنظيم بتحميل الخصوم مسؤولية تخليق التطرف والعنف.

وأتى سرد قصة تطرف البغدادي كنموذج بهدف تبرئة التنظيم وإيجاد مسوغات لإنحرافاته وممارساته العدوانية وللدفع باتجاه تصفير أماكن الاحتجاز من عشرات الآلاف الموالين لداعش، بحجة أن تطرفهم راجع لتقييد حرياتهم وليس لقناعاتهم المتشددة.

ويصب هذا الطرح في مصلحة داعش الذي لا يزال بالرغم من الجهود العسكرية المستمرة لإضعافه يتمتع بدرجة من التأثير الأيديولوجي من خلال مئات العائلات التابعة للتنظيم العائدة إلى ديارها بعد سنوات من الاحتجاز في مخيم الهول شمال سوريا، أو داخل هذه المعسكرات حيث تعيد نساء التنظيم إحياء أفكاره وتجنيد العناصر وممارسة الحسبة باستخدام أسلحة بيضاء ومحلية الصنع، ما يعني بعث نوع من الخلافة داخل المخيم المترامي الأطراف.

واستدركت أسماء محمد في الجزء الثاني من الحوار إشارتها الغامضة في الجزء الأول عندما بعثت برسالة إلى نساء التنظيم بمخيم الهول لينظرن إلى الجيل القادم، حيث قالت عندما سألها المذيع عن مغزى هذه الرسالة إنها تطالبهن بتعليم الأطفال وتربيتهم تربية سليمة ويكفي ما عاناه من سبقوهم بسبب هذه الأفكار والممارسات.

تخالف رواية أسماء الكبيسي حقائق تاريخ أبي بكر البغدادي الذي ربطته صلات قوية بتنظيم القاعدة في العراق وكان أحد مساعدي أبي مصعب الزرقاوي ومسؤولا عن العمليات في التنظيم حاملا لقب “أبودعاء السامرائي”، وهو ما أكده نائب المبعوث الخاص للتحالف الدولي لهزيمة داعش إيان مكاري في لقاء مع قناة “العربية” بعد بث الجزء الثاني من الحوار، حيث قال إن البغدادي كان خطيرا قبل إلقاء القبض عليه.

وتعلم أرملة البغدادي تاريخه أكثر من أي أحد آخر، فقد تزوجته في العام 1999، وآمنت بأفكاره التكفيرية منذ أن كان ناشطا داخل تنظيم القاعدة، وكانت هي نفسها على علاقة جيدة بقيادات التنظيم الإرهابي، ورافقته في مسيرته منذ إعلانه الخلافة تحت اسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” إلى أن قُتل في أكتوبر 2019.

ولم تتوقف أسماء عند حد اختلاق مبرر للتطرف والعنف تحت ستار فكرة المظلومية والعداء مع الغرب والولايات المتحدة وتقديم نفسها في صورة البريئة والضحية التي قتلت القوات الأميركية ابنها، إنما زعمت أنها كانت تختلف مع قادة التنظيم في الآراء والتفاصيل وأنها ناقشت زوجها وأبا محمد العدناني في بعض القضايا.

وقلبت أرملة البغدادي الحقائق رأسا على عقب، فالبغدادي وفقا لطرحها لا يتحمل تبعة تطرفه ومن يتحملها الأميركان الذين سجنوه، وهي ضحية بريئة لا تدري حقيقة ما يجري حولها، والتنظيم واحة من الليبرالية وساحة للنقاش وتداول الآراء بشفافية وليس أداة للقتل والاستغلال الجنسي.

دولة النساء

اعترفت النساء الثلاث في حواراتهن مع قناتي “العربية” و”الحدث” بأن البغدادي وقادة تنظيمه باتوا مهووسين بالنساء وجعلوا دولة الخلافة المزعومة (دولة نساء)، ما يؤكد أن نموذج داعش كان مأخوذا بروايات التاريخ خاصة مع توسع الدولتين الأموية والعباسية، حيث تحكي المصادر أن الخليفة العباسي المتوكل كان بقصره أكثر من أربعة آلاف جارية، وينقل السيوطي في كتابه “تاريخ الخلفاء” أنه “كان يطأ الجميع”.

ومع إلغاء العبودية في جميع أنحاء العالم، اعترف داعش رسميا بعد سيطرته على جبل سنجار معقل الطائفة الإيزيدية (قرب الموصل) في صيف سنة 2014 بتنظيم عمليات استعباد واسعة، مفتخرا في نشرته الأسبوعية بأن العائلات الإيزيدية (المشركة) تباع الآن من جنود الدولة الإسلامية كما باع الصحابة والتابعون المشركين قبلهم.

وأحرجت هذه الممارسات الإسلام بشبهة عدم تحريمه العبودية عندما طبقها داعش كما لو كانت منظمة بأحكام شرعية، وجذب من خلالها الآلاف من الشباب الأوروبي المدفوع بتأثير كتابات منظري اليسار وبالانبهار بنموذج يشرعن التمتع بأعداد كبيرة من النساء ويحول كل اهتماماته الدنيوية (مثل موسيقى الراب التي تم تركيبها على الأناشيد الجهادية) إلى حالة تربطه أيضا بعالم الآخرة حيث تنتظره الجنة والحور العين.

وكشفت ناشطات إيزيديات حجم التناقض في حديث أرملة البغدادي، حيث أبدت حزنها على تزويج ابنتها أميمة وهي طفلة لا يتخطى عمرها الثلاث عشرة سنة بينما كانت تجلب الفتيات الإيزيديات وهن بعمر العشر سنوات لزوجها تحت مسمى “سبايا”، وفيما بالغت في الهجوم على من قتل ابنها لم تُبد شفقة على الآلاف من الضحايا ممن قُتلوا أو ذُبحوا على يد عناصر داعش.

ولم تُضف زوجة البغدادي الجديد بشأن عدد من المسائل مثل تضحية قادة التنظيمات بالأفراد، والمبالغة في الحرص على أمنهم، وتخوين داعش للقاعدة بعد الانقلاب عليه وتأثر خليفة داعش بفكر جماعة الإخوان في بداياته، فضلا عن رغبات قادة التنظيم في التوسع وفتح روما، وهي ثيمة اشتركت فيها جماعات الإسلام السياسي لخداع منتسبيهم من الشباب ومضاعفة أعدادهم.

وتظل القضية المحورية المتعلقة بهذه الحوارات هي خطورة التقليل من دور النساء داخل داعش والانخداع بتمثيلهن دور الضحايا، فالضحايا الحقيقيون ليسوا الآلاف من النساء اللاتي انضممن طوعا إليه وساهمن بفعالية في جرائمه المروعة ضد الإنسانية، لكن هم مئات الآلاف من المسيحيين والإيزيديين والمسلمين الذين قُتلوا وعُذبوا وشُردوا.

وحتى لو كانت زوجة البغدادي اختارت الاتساق مع نفسها واعترفت بما ارتكبته وأعلنت ندمها وتوبتها طالبة عفو الضحايا والدولة، فالخبرة في مثل هذا النموذج تؤكد أن غالبية من يبدون اعتدالهم بعد تطرف هم فقط من نفدت ذخيرتهم وتراجعت حججهم وفقدوا الأمل في أفكارهم.

 العرب

Related

Share

Post a Comment

الفئة
علامات البحث