أحدث المقالات

العدو الداخلي.. قصة بريطانيا المسلمة!

العدو الداخلي.. قصة بريطانيا المسلمة!

بعيد ساعات قليلة على هجوم لندن الأخير في الثاني والعشرين من شهر مارس، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صورة لامرأة يبدو من لباسها أنها مسلمة (كانت ترتدي الحجاب) أثناء مرورها بجانب أحد ضحايا الهجوم الذي وقع على جسر ويستمنستر وهي تتحدث في هاتفها. ثم سرعان ما ظهرت على هذه المواقع تعليقات تنتقد الفتاة وتتهمها بعدم الاكتراث والغلظة وقسوة القلب، لا بل إن البعض ذهب في «شيطنته» لها إلى حد اتهامها بالتواطؤ مع الإرهابيين. ولاحقاً، أصدرت المرأة بياناً توضح فيه أنها أصيبت بالحزن والصدمة من هول ما رأت، وأنها ساعدت بعض الضحايا قبل أن تتصل بأسرتها لتطمئنهم بأنها لم تصب بمكروه. ومن جانبه، خرج المصور الذي التقط لها تلك الصورة ليدلي بشهادته ويؤكد أنها كانت بالفعل مصدومة ومتأثرة.

ومثل هذه الحوادث تجعل المسلمين في بريطانيا -وربما الغرب عموماً- يشعرون بأنهم مستهدَفون بالأحكام المسبقة، ومتَّهمون إلى أن يثبت العكس، وفي حاجة دائماً للدفاع عن أنفسهم وتأكيد براءتهم. وهذا التحامل والارتياب الجاهز ضد المسلمين البريطانيين هو ما تحاول سعيدة وراسي، الوزيرة البريطانية السابقة، التصدي له في كتابها «العدو الداخلي: قصة بريطانيا المسلمة»، الذي تدلي فيه بوجهة نظرها الفريدة كمسلمة بريطانية من أصل باكستاني، لها روابط قوية بدينها وبجاليتها، وكانت ذات يوم جزءاً من حكومة تُتهم سياساتها الداخلية والخارجية باستعداء المسلمين.

ووارسي، التي نشأت وترعرعت في مقاطعة ويست يوركشاير شمال إنجلترا، هي واحدة من خمس بنات لأسرة مهاجرة من باكستان. وهي تشعر بفخر كبير لكونها تنتمي لمجتمع حققت فيه الكثير من الإنجازات الشخصية، كمحامية أولًا، ثم كسياسية لاحقاً. كما أنها تشعر كذلك بأنها محظوظة لأنها تتمتع بالحريات التي تكفلها دولة علمانية ليبرالية لمواطنيها. ولكنها تشعر أيضاً بالإحباط بسبب الطريقة التي عومل بها المسلمون في بلدها خلال العقود والسنوات الأخيرة، وترى أن الجاليات المسلمة داخل بريطانيا لم تكن ممثَّلة بشكل منصف، ولم تكن تعامَل بشكل جيد.

والواقع أن الجملة الأولى على غلاف كتابها صريحة ومباشرة وتعطي فكرة واضحة على الاتجاه الذي يذهب فيه كتابها: «أن تكون مسلماً بريطانياً خلال العقد الماضي كان أمراً صعباً للغاية»، حيث يصوَّر المسلمون على أنهم عنيفون أو شرسون بطبعهم، تقول وارسي، ولم يسلم من التلميح أو الاتهام الصريح بالتطرف الديني سوى قلة قليلة من المسلمين البارزين، مثل عمدة لندن صديق خان، أو رئيس قسم «الدين والأخلاق» في «هيئة الإذاعة البريطانية» عاقل أحمد.

بيد أن المسلمين، تقول وارسي، ليسوا سوى أحدث مجموعة ضمن قائمة طويلة من الجاليات والمجموعات التي عانت داخل بريطانيا من الارتياب وانعدام الثقة من قبل الآخرين، لأن «معتقداتهم أو ثقافاتهم أو ممارساتهم أو أجنداتهم تتنافى مع نظيرتها لدى الأغلبية». فاليهود، والكاثوليك، وعمال المناجم، والنقابيون، والماركسيون، والمثليون … جميعهم كانوا يعامَلون أحياناً على أنهم «العدو الداخلي». ولكن باعتبارها حفيدة رجلين خدما في الجيش الهندي البريطاني، فإن وارسي تشعر جراء ذلك بإهانة ما بعدها إهانة.

وارسي تشدد على أن أمل الأغلبية الساحقة من المسلمين في بريطانيا هو العيش في سلام ورخاء على غرار ما يحلم به معظم الناس، وأن قلة قليلة فقط من مسلمي بريطانيا الذين يقدّر عددهم بـ3 ملايين نسمة يحاولون دفع الشباب إلى التطرف وتحويلهم إلى إرهابيين. وتؤكد على أن أكثر ما يتمناه المسلمون في بريطانيا هو أن يكونوا قادرين على رصد المتطرفين بينهم وتسليمهم للسلطات بدلًا من أن يضطروا لتكبد رد الفعل المجتمعي الغاضب والمرتاب في كل مرة تشهد فيها البلاد هجوماً إرهابياً يقف وراءه متطرفون إسلاميون. فبالنسبة للمسلمين البريطانيين، الإرهابيون هم «العدو الداخلي» بالفعل. ولكن تجربتها كمسلمة وكوزيرة محافظة علَّمتها ألا أجهزة الأمن ولا الجاليات في بريطانيا تستطيع تحديد الإرهابيين الحاليين أو المحتملين بسهولة لأنه لا يوجد طريق وحيد إلى التطرف العنيف.

وترى أن أخطاء كثيرة ارتُكبت من قبل الجميع -سواء من المسلمين أو من الحكومات أو من البريطانيين الآخرين- أدت إلى المستويات الحالية من عدم الثقة وعدم الارتياح، ومن ذلك انعزال المسلمين، والتمييز ضدهم، ونزوح البيض عن المدن التي تعرف تركزاً للسود وأقليات أخرى إلى الضواحي، والمحاولات الخرقاء لتحدي التطرف من قبل سياسيين تواقين للقفز إلى استنتاجات متسرعة.

وكمثال على هذه الأخطاء، تشير وارسي إلى مشاعر الغضب من رواية سلمان رشدي «آيات شيطانية»، في 1988، باعتبارها المرة الأولى التي أصبح فيها المسلمون البريطانيون مسيَّسين كجالية، حيث شعر المسلمون الغاضبون بأن الدولة خذلتهم عبر رفضها محاكمة رشدي بتهمة التجديف. غير أنه من جهة أخرى، شعرت الحكومة، التي كانت مرعوبة ومصدومة من المكافأة التي رصدتها إيران لمن يقتل رشدي، بأنها ملزَمة بالدفاع عن أحد الحقوق الأساسية لبريطانيا الليبرالية -حرية التعبير والنشر. وهكذا، وضع عدمُ الفهم المتبادل «المسلمين على مسار تراكم مشاعر الاستياء وخطاب التظلم». وبعد الحادي عشر من سبتمبر والحرب على الإرهاب، أصبح يُنظر إلى المسلمين باعتبارهم مشكلة، وأخذ التركيز ينصب على دينهم باعتباره هويتهم المميِّزة -وليس إلى انتمائهم لبريطانيا.

ولا شك أن وارسي ستتعرض لانتقادات على كلا الجانبين: سواء بين بعض مسلمي بريطانيا الذين سيتهمونها بالتلهف لمطابقة الصورة الذهنية لدى البعض في بريطانيا عن «المهاجر الجيد»، أو من قبل البعض على اليمين الذين سينتقدون أيضاً نفيها أن تكون للتطرف العنيف أي علاقة بالدين. ولكن الأكيد أن كتابها يحمل رسائل للجانبين ويأتي في ظرف جد مواتٍ مع ازدياد الانقسامات في المجتمع وتصاعد الإسلاموفوبيا.

محمد وقيف

الكتاب: العدو الداخلي.. قصة بريطانيا المسلمة

المؤلفة: سعيدة وارسي

الناشر: آلن لين

تاريخ النشر: 2017

صحيفة الاتحاد

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*