أحدث المقالات

مواطنون لا ذميون

مواطنون لا ذميون

د. عبد الحميد الأنصارى

كتب الباحث والمفكر السعودي د. توفيق السيف مقالة بعنوان «مواطنون فقط.. لا ذميون ولا مستأمنون»، إذ لاحظ في أعقاب الهجوم الإرهابي على كنيستين مصريتين، استنكاراً واسعاً بين المسلمين كافة، علماء وعامة وسياسيين، لهذا العمل الإرهابي، فقال: أحمِد الله تعالى أنّا ما عدنا نسمع أحداً يقبل هذه الجرائم أو يبررها، وهذا تطور طيب. ولكن ما لفت نظره وسط بيانات الاستنكار، الاستعمال المتكرر لمصطلحات مثل «مستأمنين» و«ذميين» و«أهل كتاب» في وصف المواطنين الأقباط الذين وقعوا ضحية الهجوم الغادر. ومثل هذه المصطلحات ترد عادة في أحاديث رجال دين، تأكيداً لحرمة العدوان على غير المسلمين، ويرى السيف، وهو محق، أن هذه المصطلحات ليست إطلاقات لغوية محايدة، بل هي «حقائق شرعية» أي مصطلحات خاصة ذات محمولات محددة، وتقال في سياق مفهومي قيمي مستمد من الفهم الفقهي القديم، الذي كان يقسم العالم إلى دارين: «دار إسلام» و«دار حرب»، حيث كانت دولة المسلمين تسود العالم وكانت جيوشها تتوسع في البلدان، فتنمو، وتنمو معها علاقات المسلمين بغيرهم، فكان من الطبيعي، يومها، تنظيم العلاقة بين القوة الكبرى المنتصرة ورجالها الأقوياء، والأفراد والمجتمعات الخاضعة لها، ضمن هذه المفاهيم والمصطلحات، لتأكيد الولاية السياسية ومسؤولية الدولة عن كل رعاياها. كقاعدة عمل موازية لولاية الإيمان التي تربط المسلمين بالدولة، والتي تحولت مع مرور الزمن، إلى مضمون وحيد للرابطة السياسية والاجتماعية، ودون مراعاة للمراحل التاريخية الفاصلة، انتقل هذا الموروث الفقهي التاريخي، وحتى بعد سقوط الخلافة الإسلامية ونشأة الدولة الوطنية الحديثة، إلى معظم من كتبوا في هذه القضية، وتكفي نظرة سريعة على كثير مما كتبه الفقهاء والكتاب الإسلامويون المعاصرون حول الموضوع، طبقاً للدكتور السيف، كي نكتشف المشكلة التي واجهوها، حين أرادوا وضع تصور يتلاءم مع الموروث الديني الفقهي، من جهة، ومع المبادئ السياسية والقانونية وحقوق الإنسان، جهة ثانية، ومبادئ العدالة، من جهة ثالثة.

وينتهي الدكتور السيف إلى أنه لا مجال لتسوية الإشكال، الدولة الحديثة تنتمي لعالم مفهومي مختلف عن ذلك الذي كان قائماً في عصر الخلافة الإسلامية السالفة، ولا يمكن فهمه وفق المنظور الفقهي القديم، ولا المصطلحات الناتجة عنه، فعلاقة الدولة الحديثة برعاياها، اليوم، قائمة على مبدأ المواطنة فقط، والذي يعني تساوي جميع المواطنين في حقوقهم وواجباتهم، أياً كانت أديانهم، وانتماءاتهم الاجتماعية، لا الذمة ولا الاستئمان.

ما ذهب إليه السيف، يتفق مع ما ذهب إليه الأزهر في «إعلان المواطنة والعيش المشترك» مارس 2017، حيث أكد «التأسيس لشراكة متجددة أو عقد مستأنف بين المواطنين يقوم على التفاهم والاعتراف المتبادل والمواطنة والحرية والشراكة الكاملة»، كما دعا إلى إعادة النظر في هذه المصطلحات التاريخية المحكومة بسياقها الزمني وفق اجتهاد جديد يتلاءم وواقع العصر ومقتضيات الدولة الوطنية.

أخيراً: علينا التحرر من أسر الموروث الفقهي التاريخي لعلاقة المواطنين غير المسلمين بالدولة الوطنية اليوم، فتلك العلاقة التاريخية، والأحكام التي انبنت عليها، والمصطلحات كافة الناتجة عنها، بنتُ عصرها، ولا ينبغي سحبها إلى عصرنا، ومن غير المناسب أن نظل محكومين باجتهادات فقهية، محكومة بزمنها، فآراء الفقهاء ليست مقدسة، فهم أبناء عصرهم، واجتهاداتهم ناسبت قضايا زمنهم، ونحن أبناء عصرنا، علينا أن نجتهد بما يناسب واقعنا، بما لا يخالف الثوابت والمقاصد الشرعية.

الأتحاد

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*