أحدث المقالات

رأي: السلطان أردوغان وليلة إعلان وفاة الديمقراطية في تركيا

رأي: السلطان أردوغان وليلة إعلان وفاة الديمقراطية في تركيا

فريدة غيتس

لندن، بريطانيا (CNN) -- الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن الانتصار في الاستفتاء الخاص بالتعديلات الدستورية التي من المنتظر أن تجعله أكثر قوة وتسمح له بالبقاء في السلطة لسنوات عديدة مقبلة. نتيجة التصويت، التي تشكك المعارضة في صحتها، تعد بجعل تركيا أقل ديمقراطية وأكثر انقساما، كما أنها تجعلها دولة أكثر دينية من أي وقت مضى.

لم يكن مفاجئا على الإطلاق أنه عندما بدأ عدد الأصوات المعارضة للتعديل الدستوري بالتصاعد في عمليات الفرز بشكل يهدد الأغلبية الضئيلة التي كان مؤيدو التعديل يحظون بها تدخلت السلطات المسؤولة عن عمليات الاقتراع لإعلان نيتها السماح باحتساب الأرقام في الصناديق غير المختومة وضمها إلى النتائج بشكل يخالف القواعد القانونية المطبقة.

الفترة التحضيرية للاستفتاء كانت قد أعطت المعسكر المؤيد للتعديلات دفعة كبيرة جاءت على شكل تغطية إعلامية قوية، أما رافضو التعديلات فقد كانوا بمواجهة تهديدات مع إمكانية خسارتهم لوظائفهم بحال عبروا بشكل علني عن آرائهم.

والآن، ومع اتضاح أن حصيلة التصويت لصالح التعديل لم تتجاوز 51 في المائة مقابل معارضة 49 في المائة من الناخبين، يقول معارضون إن عملية فرز الأصوات وجمعها شابتها أيضا مخالفات وتزوير، متعهدين بتحدي نتائجها. ومع كل ما سبق لا يبدو أن الرئيس التركي قد حقق على الإطلاق "فوزه التاريخي" الذي لن يسمح له بتحويل البلاد التي قادها منذ عام 2013 بشكل جذري فحسب، بل سيتيح له البقاء في السلطة حتى عام 2029.

أردوغان، وهو زعيم يتمتع بالكاريزما ويؤمن بالتحكم الشعوبي المتسلط مع برنامج عمل يغلب عليه الطابع الإسلامي، بات محور الانقسام في البلاد، والاستفتاء على تعديل الدستور الذي نظّمه سيجعل ذلك الانقسام أكثر حدة وإثارة للشقاق.

مع دعم يزيد بالكاد عن نصف السكان في البلاد لمنحه المزيد من القوة، إلى جانب معارضة المدن الثلاث الكبرى في البلاد، إسطنبول وأنقرة وأزمير، لذلك القرار، سيتسلم أردوغان صلاحياته الجديدة وسط غمامة من الشك، وهذا الغموض سيجعل من أردوغان أكثر تسلطا.

أردوغان لم يكن رئيسا توافقيا، بالعكس، لقد شاب حكمه الإيغال في تعزيز الانقسامات الطائفية والاجتماعية والأيديولوجية، وقد رد على التحديات، حتى السلمية منها، عبر "سحق معارضيه" والاستفادة من كل فرصة متاحة من أجل تعزيز قوته.

الصلاحيات الجديدة التي سينالها أردوغان بموجب التعديلات الدستورية غير مسبوقة، فالمواد الـ18 التي صوّت الشعب عليها ستحوّل النظام التركي تدريجيا من برلماني إلى رئاسي. الرئيس التركي كان تقليديا شخصية مستقلة عن الأحزاب وليس لديه الكثير من الصلاحيات، ولكن تحت ظل أردوغان، ومع التعديلات الجديدة، سيتحول المنصب الشرفي إلى منصب تنفيذي.

أردوغان الذي لم يسبق له أن خسر أي انتخابات، سيواصل دوره كزعيم لحزب العدالة والتنمية الذي أسسه واستخدمه للوصول إلى السلطة في رحلته الطويلة من لاعب كرة قدم إلى أقوى رجل تشهده السياسة التركية منذ قرابة قرن. أردوغان يسيطر عبر حزبه على البرلمان، والصلاحيات التنفيذية باتت أيضا في يده، وقريبا مع سيطرته المتوقعة على القضاء سيتبدد مبدأ المحاسبة.

سيكون هناك انتخابات جديدة عام 2019، ومنصب رئيس الوزراء سيُلغى وسيكون بوسع الرئيس تعيين 12 من أصل 15 قاضيا في المحكمة العليا واختيار أعضاء مجلس الأمن القومي ولعب دور أساسي في صياغة القوانين. منتقدو أردوغان يقولون إن الرجل سيتحول إلى ديكتاتور فعلي.

محاولة الانقلاب الفاشلة صيف 2016 كانت مفيدة لأردوغان لدرجة أن الكثيرين مازالوا يتساءلون ما إذا كان هو بنفسه من فبركها. بعد ساعات على استعادته السلطة من بين يدي منفذي تلك المحاولة شن أردوغان حملة واسعة النطاق ولا هوادة فيها أفضت إلى سجن عشرات الآلاف من الأتراك وإقالة مئات الآلاف من وظائفهم في الجيش والجامعات والمحاكم. لقد فشل الانقلاب، ولكن الديمقراطية الحقيقية ماتت من بعده.

لفترة طويلة قبل الانقلاب كانت نزعات أردوغان المعارضة للديمقراطية ظاهرة بوضوح، فتركيا منذ سنوات تتصدر قائمة الدول التي تعتقل الصحفيين، وهذا كان مجرد مؤشر إلى أن الديمقراطية الليبرالية والتعددية ليست ما يستهوي أردوغان فعلا.

ومع أن معظم الشعب التركي مازال يأمل بأن يرى تركيا تقترب أكثر فأكثر إلى النموذج الليبرالي الغربي لتنضم لاحقا إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن أردوغان يواصل إطلاق شعاراته القومية المعادية للغرب، هذه الشعارات إلى جانب شخص الرئيس الذي يطلقها تحظيان بشعبية واسعة لدى نصف السكان تقريبا في المناطق التركية النائية التي تعيش فيها شرائح محافظة.

بعيدا عن أنقرة وإسطنبول.. كيف يبني أردوغان قواعد شعبيته؟ 2:55

إلا أن النصف الآخر من المجتمع، أي شريحة سكان المدن الأتراك، إلى جانب المجموعات الأخرى التي مازالت تعتنق مبادئ العلمانية لكمال أتاتورك، تبدو أيديولوجية أردوغان المدفوعة دينيا عصية على التقبل.

أردوغان مازال مصرا على تحدي التيارات الكمالية بسياسة تمزج بين القومية والدين. قصره الرئاسي الجديد المكوّن من مئات الغرف بات رمزا جديدا يستدل خصومه عبره على نيته التحول إلى سلطان جديد يعيد أيام مجد السلطنة العثمانية التي كان فيها رجل واحد فقط يمتلك كل القوى ويحكم البلاد التي تقوم العالم الإسلامي.

ما ينتظر الشعب التركي المنقسم هو المزيد من التركيز الأردوغاني في الفترة المقبلة. الرئيس سيحاول الأن الحصول على ما يلزمه من الصلاحيات للسير قدما في خطته لتحجيم العلمانية وتشديد قبضة حكمه. وبالنسية للذين يريدون من تركيا مواصلة السير في طريق الديمقراطية وحكم القانون والاستقلال القضائي وحرية التعبير والمساواة للجميع سيكون أمامهم الكثير من المصاعب.

سى ان ان

 

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*