أحدث المقالات

كُل هذا الدين!

كُل هذا الدين!

رستم محمود:

 

مع أشياء كثيرة أخرى، أثبتت مجريات المونديال الحالي لكأس العالم كثافة حضور الدين في الفضاء والحياة العامة لبلداننا، أو بمعنى أدق، سيطرته على كل شيء آخر في هذه الفضاء.

طغيان الدين هذا، لا يجري بكونه شكلا من الوعي الروحي، قائم على نوع من الإيمان الميتافيزيقي أو مجموعة من السلوكيات وأنماط العبادة والالتزام، التي يعتقد المتدينون أنها ترسم مختلف مستويات ومسارات علاقتهم مع ما يعتقدون أنه يتجاوز الحياة المُعاشة. بل الدين باعتباره كل شيء، من وعي الذات والعالم، مروراً بآلية العلاقة مع المختلفين، أفرادا ومجتمعات ودولا، الدين بكونه سردية كبرى عن الماضي والحاضر وحتى المستقبل، وترسانة كبرى من المنطق والقياس، محاطة بالتفكير والمخيلة، إلى جانب ما يشكله من لائحة شبه عسكرية من التعليمات لكل سلوك في الحياة، ما يجب فعله أو نهيه أو قبوله في كل تفصيل، في السياسة والفكر والقانون، في الحياة الخاصة والعامة، داخل مجتمعاتنا ومع الآخرين وكامل العالم.

ليس ذلك قولا في الدين بذاته، بل محاولة لفهم المجتمعات والدول والسلطات التي تمارس ويحدث معها هذا. عن السياق التاريخي الذي تطورت وتغيرت فيه هذه المجتمعات، أسباب الموقع والديناميكية التي كان وما يزال الدين يشغلها بالنسبة لها، بالذات خلال القرن العشرين، وكيف أن هذا الحضور الكثيف للدين في كل شيء، إنما هو استعارة كبرى عن كل شيء آخر حدث لهذه المجتمعات طوال هذه المراحل، وكيف أن الدين بقي مُفسراً لكل الظواهر والعلاقات، باعتباره الهوية والثقافة والمعرفة والسياسة، التاريخ والمعنى، لأن الأشياء الأخرى كلها، غير الدين، ليس لها أي حضور وتأثير وفاعلية

ينكشف ذلك بوضوح خلال هذه المناسبة بالذات، لأن كأس العالم كانت تاريخياً مناسبة إنسانية استثنائية، يتجاوز البشر في مختلف أرجاء المعمورة أثناءها تفاصيل ما بين بلدانهم ومجتمعاتهم وثقافتهم وهوياتهم من تناقضات، وينخرطون بشكل جماعي في نوع من المنافسة الإيجابية والبهجة الكلية. حيث أن منافسات كأس العالم هذه، كانت من المجريات النادرة في التاريخ الحديث، التي صنعت ذاكرة إنسانية جمعية ذات بهاء ما، لا يشوبها أي إكراه أو الكراهية

هذا الأمر الذي ما جرى في المونديال الأخير، الذي بالرغم من كل البهرجة التي أحيطت به، صار مناسبة كبرى للحديث عن "ثقافتنا/ثقافتهم"، عن المثلية والكحول والملبس والمأكل، عن حقوق النساء وشكل حضورهم وما عاناه العمال، عن عشرات الآلاف من اللوحات والمنشورات التي تدعوا الآخرين لترك دينهم والإيمان بدين آخر، صار مسرحاً عبثياً للمشايخ والدعاة والمبشرين، مكاناً لصعود الأقوال الكبرى عن الاختلاف الجذري بين البشر، وإلغاء المسافة المشتركة الأساسية التي من مفترض أن تجمعهم في هذه المناسبة

يكشف الأمر هنا تناقضاً أولياً بين الشكل والجوهر الذي نتعاطى فيه مع العالم، منذ أن دخلنا العالم الحديث قبل قرابة قرن ونصف، وحتى الآن، ذلك التناقض الذي نتوخى الاعتراف به.

فعلى الدوام، وإذ كان ثمة سعي ما لنشارك العالم بعض مشاريعه وأنماط انشغاله واقتصاده، مثل تنظيم مناسبة ككأس العالم لكرة القدم؛ لكن دوماً نرفض أن يعني ذلك أي تبدل في جوهر وعينا وعلاقتنا مع نفس العالم، باعتبارها ساحة كبرى للشراكة، للوصال والبذل المتبادل، والتخلي عن تلك الثوابت واشكال الوعي التي تقسم العالم إلى فساطيط متقابلة على الدوام، ومتصارعة غالباً، وكأنه ساحة حرب كبرى

يعطي الدين الغطاء لديمومة وفاعلية المنطق، فهو الأداة التي والديناميكية التقليدية التي ترسم مسافة بيننا وبين العالم، نقبل منه ما نريد: التكنولوجيا والأدوية وأدوات الترفيه والتسلية والعلوم الباردة، ونرفض كل قيمه ومنتجاته ومعارفة الإنسانية الأعمق، منظومة القيم وسمو الحرية والحق في المساواة الآدمية، وطبعاً الديموقراطية وجدارة النساء ومنظومة حقوق الإنسان

في نفس هذا السياق، فإن المسألة لا تتعلق بنظام سياسي ما، ذو نزعة محافظة وداعمة لتنظيمات الإسلام السياسي، إقليمياً وعلى مستوى العالم. فمستوى تقبل المجتمعات لهذا النوع من السجال والانقسام والتمركز حول الدين، التي شكلت هذه المناسبة فرصة لكشفه، يبدو أنه يغالب ما لدى لهذه الدولة من سياسات وتوجهات في ذلك الإطار.

هذه المجتمعات التي قد يكون مستوى تدين أفرادها عاديا على المستوى الذاتي، مثل أفراد باقي المجتمعات الأخرى، لكنها قابلة وجاهزة لإظهار دفق من الوعي والخطابات والهويات والسلوكيات الدينية على المستوى العام، وفي العلاقة مع المجتمعات وذوي الثقافات الأخرى

تبدو هذه الكثافة في الدين متأتية من ثلاثة منابع رئيسية، ميزت سياق دولنا ومجتمعاتنا عن باقي بقاع العام، بالذات خلال القرن العشرين، فسمحت للدين أن يكون الحكاية والمنطق وآلية القياس الوحيدة والأكثر حضوراً في كل تفصيل يحيط بنا

فنحن الدول والمجتمعات التي خرجت من مرحلة السيطرة والذهنية الإمبراطورية/العثمانية لترى نفسها تحت الحُكم الاستعماري، الذي كان شرط مواجهته مرتبطاً بمعاداة الثقافة الكلية التي أتى منها، أي الحداثة الغربية، وتالياً التمركز حول الدين كمضاد نوعي لتلك الحداثة الغربية

في مرحلة لاحقة، عقب الحقبة الاستعمارية، وأثناء سنوات الحرب البارحة، لاقت نفس الدول والمجتمعات تشجيعاً لأن تتمركز حول الدين، كي لا تندرج في أية سياقات سياسية مستقطبة للمعسكر اليساري

تضاعف الأمر مع فشل كل أشكال التنمية الإنسانية في نفس الدول، بالذات الفشل في التنمية الإنسانية. فهذه الدول والمجتمعات لم تنتج تقريبا أي شيء في تاريخها الحديث، لا معارف ولا اقتصاد ولا تعليم ولا بنى سياسي ودولتية ذات معنى ومضمون، فقط سلطة عارية تحكم مجتمعات بطريقة سلطانية. خواء الإنتاج ذاك، منح الدين الثقة والشرعية للبقاء كمُفسر لكل شيء على الدوام، البشر والظواهر والعلاقات، حتى الأمراض والكوارث والاقتصاد وأعقد المعارف

المعضلة الكبرى لكثافة لحضور الدين، وشغله لمساحات وأخذه لأدوار تتجاوز التقليدي والمعقول لما يجب أن يكون عليه، كامن في تحوله إلى عائق جوهري ودائم أمام أية إمكانية للنفاذ إلى مسرح العالم، باعتباره مساحة كبرى وقادرة على احتواء الجميع، دون أية نزعات للبحث عما هو صراعي ومختلف بشكل هيستيري، ليس الدين باعتباره عقيدة وشكلاً من الإيمان، بل الدين بكونه سلطة مطلقة على كل شيء، كما أقدم العصور.   

الحرة

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*