أحدث المقالات

حجابا الدين والقومية!

حجابا الدين والقومية!

عمران سلمان:

 

 ثمة حجابان يلفان العقل العربي المسلم، ويمنعان عنه أوكسجين الإنسانية. الأول هو حجاب الدين، وهو الأعلى والأكثر كثافة، ثم حجاب القومية العربية. ورغم أن إزالة الحجاب الأول تظل أصعب وبحاجة إلى وقت أطول، فإن إزالة الحجاب الثاني لا تقل صعوبة، وفي الكثير من الأحيان فإنهما يتداخلان ويغذيان بعضهما البعض.

ولا توجد قضية يتجلى فيها حجابا الدين والقومية مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
فهذا الصراع يختزن بداخله حمولة الدين وحمولة القومية، فإن هو أفلت من أحدهما فإنه لا يفلت من الثاني.
بالنسبة للإسلامي فإن الصراع هو ديني بين المسلمين واليهود. واليهود وفق التراث الإسلامي وصفوا بالقردة والخنازير والفئران وهم قتلة الأنبياء وهم المغضوب عليهم.. الخ، وبالتالي لا يستطيع المسلم أن يتقبل فكرة التعايش مع اليهود على قدم المساواة، ناهيك عن التسليم لليهود بالسلطة والسيطرة على أي شيء مما قد يعتبره المسلمون وقفا لهم أو أرضا خاصة بهم! قد تضطر الظروف المسلم إلى المهادنة لبعض الوقت، لكنه في قرارة نفسه، يرفض أي حل للصراع لا يشمل إعادة اليهود من جديد تحت السلطة الإسلامية على أقل تقدير أو طردهم وتشتيتهم في أسوأ تقدير

أما بالنسبة للقومي فإن وجود إسرائيل هو مؤامرة استعمارية كبرى لتمزيق العرب والحيلولة دون إقامة الوحدة العربية. وبالنسبة له فإن إسرائيل هي مشروع غربي زرع في المنطقة لخدمة سياسات وأهداف الامبريالية والرأسمالية والصهيونية العالمية.. الخ!

وجميع نظريات المؤامرة، القديم منها والحديث، لا بد أن يشتمل الجزء الرئيسي فيها على ذكر إسرائيل أو اليهود. وإذا لم يكن اليهود هم المحرك الخفي في هذه النظريات فهم لا بد أن يكونوا مشاركا رئيسيا فيها أو من كبار المستفيدين منها!  

ومثل الإسلامي، لا يستطيع القومي أيضا أن يتسامح مع فكرة التعايش مع إسرائيل أو مع اليهود، إلا بوصفهم أقلية وخاضعة للحكم العربي. أما العكس فإنه يجعل كلاهما في حالة توتر ورفض دائمين
ولهذا فإنه في أية دولة أو مجتمع يكون حجابا الدين والقومية قويين يكون الرفض لليهود ولإسرائيل قويا أيضا، والعكس صحيح. ولا يطيق القومي أو الإسلامي في هذه المجتمعات مجرد الحديث عن السلام أو الصلح، فذلك من أبغض الأشياء التي يمكنك أن تتلوها على مسامعه

وما هو الحل؟
لا يوجد حل على المدى المتوسط أو البعيد سوى بالتطور نحو الأعلى باتجاه الإنسانية.  
الفكر الإنساني وحده القادر على مساعدة الناس، اليهود والمسلمين، الفلسطينيين والإسرائيليين على التخلص من الهويات السفلية، الانتماء الديني والقومي، وبالتالي وقف دوامة العنف والانتقام والجنون الذي لا يتوقف

ولماذا الفكر الإنساني؟
لأنه الوحيد الذي يجعل الإنسان يرى ما هو مشترك بين جميع البشر.  فإذا كان الدين يفرق بين الناس، بحكم طبيعته، وكذلك الانتماء القومي، بحكم وظيفته، فإن الإنسانية توحد البشر، لأنها القاسم المشترك بينهم. وحين يرى الإنسان القضايا والأمور من المستوى الإنساني فهو لابد أن يدرك سخافة الحروب والنزاعات. لأنه عند هذا المستوى لا يوجد آخر. يوجد فقط إنسان.    

هل الانتقال إلى الإنسانية أمر سهل؟
بالطبع كلا. فالانتماءات والهويات الدينية وكذلك القومية قوية إلى الدرجة التي بإمكانها أن تجعل الإنسان أحيانا يعمل ضد نفسه وضد مصالحه المباشرة. بل في كثير من الأحيان ضد المقربين منه، قبل الأبعدين. وبالتالي فإن هذ الانتماءات لا تستسلم بسهولة
الحل يكمن في التطور والنضج العقلي والنفسي. قد يحتاج ذلك إلى بعض الوقت، لكنه أمر ممكن
لنتخيل كيف تمكن الألمان أو اليابانيون من انجاز هذا التطور بعد الحرب العالمية الثانية

كان بإمكان الألمان الذين هزموا في الحرب ودمرت بلادهم وقسمت إلى شرقية وغربية وقتل وجرح الملايين منهم، أن يحملوا شعلة المظلومية ويواصلوا زرع الكراهية ونظريات المؤامرة وارتكاب أعمال العنف ضد الدول المنتصرة في الحرب. بالضبط كما يفعل اليوم الفلسطينيون ويساندهم في ذلك الكثير من العرب والمسلمين. بل كما تفعل الكثير من الدول العربية والإسلامية، بصورة أو بأخرى، في معالجتها لمشاكل الماضي.

لكن الألمان اختاروا طريقا آخر. طريق التطور نحو الأعلى بدلا من النزول إلى الأسفل. طريق الإنسانية بدلا من البقاء فريسة للانتماءات السفلية والغرائز البدائية. وهذا الطريق هو الذي ساعدهم فيما بعد ليس فقط على الخروج من تحت ركام الحرب بسرعة وبناء أقوى اقتصاد في أوروبا، وإنما أيضا في توحيد ألمانيا من جديد.

والنموذج الألماني ليس استثناء هنا، فهناك العديد من الدول التي عانت من الحروب أو حتى الاستعمار، ولكنها خرجت منها بصورة أفضل وأقوى، لأن استجابتها لكل ذلك كانت مختلفة. فالمهم هو ليس ما يفعله الآخرون، فليست لدينا دائما القدرة على تغيير أفعالهم، ولكن المهم هو كيف نتصرف نحن إزاء هذا التحدي. تصرفنا أو استجابتنا هي التي تخلق الفرق في الأشياء وليس أفعالهم. وهذا هو الدرس الأهم. ولكي نتعلم هذا الدرس نحتاج إلى التفكير مليا في كيفية التخلص ليس من الدين والقومية نفسيهما، ولكن من أحجبتهما الكثيفة التي لا تزال تغلف عقولنا

الحرة

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*