أحدث المقالات

عالم الوهم الديني والأكل من ثمرة الخرافة

عالم الوهم الديني والأكل من ثمرة الخرافة

عمران سلمان:

 

الجانب الخرافي والأسطوري في الأديان عموما واضح ولا يمكن إنكاره، سواء تعلق الأمر بتفسير طبيعة الإنسان أو الوجود أو الظواهر الطبيعية.

والإنسان إزاء ذلك أمام موقفين، إما أن يؤمن بالأديان ويقبلها كما هي أو لا يؤمن بها، لكن أن يحاول عقلنتها وجعلها تتماشى مع العلم وقوانينه فهنا تكمن الطامة الكبرى.   

يندرج ضمن ذلك خرافة الاعجاز العلمي للقرآن، كما تندرج المحاولات المرضية لاستنطاق الكلمات والجمل في القرآن والأحاديث كي تناسب ما يستجد من اكتشافات علمية ومفاهيم عصرية. بل وتحوير الكلمات وإنزال معان قديمة على كلمات حديثة أو العكس كي يقال بأنها هي المقصودة في هذه النظرية العلمية أو تلك. (على سبيل المثال كلمة "ذرة" ومعناها الأصلي في اللغة العربية النملة الصغيرة أو الهباءة ولا تعني الذرة بالمفهوم الكيميائي الحديث والتي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة).

يندرج أيضا ضمن ذلك اختلاق قصص تحوّل بعض المشاهير العالميين إلى الإسلام، وخاصة العلماء والمفكرين ورواد الفضاء منهم، بهدف الإيحاء بأنهم توصلوا إلى ذلك بفضل الإعجاز العلمي! وهي قصص تنطلي على البعض فترة من الزمن لكن سرعان ما يتم اكتشافها، حتى يعاد اختراع غيرها وهكذا

والملفت أن العلماء العرب والمسلمين القدماء (المقصود علماء الرياضيات والكيمياء والفلك.. الخ وليس رجال الدين) لم يلجأوا إلى القرآن أو الأحاديث في عملهم. ولم يدعوا أن هناك إعجاز علمي في القرآن مثلا.
هذا المصطلح حديث وهو نتاج عصر التأخر والجمود والشعور بالنقص من تطور الأمم الأخرى، فكان لا بد من علاج نفسي لتلك العقدة، وكان أن اهتدى بعض رجال الدين إلى هذه الخدعة الكلامية والنفسية للتعويض على المسلمين بأن جميع الاختراعات العلمية، ما كان منها وما سيكون، إنما هي موجودة تحت أيدي المسلمين ومحفوظة بين دفتي القرآن، فلا فضل إذن لتلك الأمم في اختراعاتها أو تطورها العلمي والتكنولوجي. فهي لم تسبق المسلمين ولم تتفوق عليهم بدليل أن القرآن قد اكتشف كل ذلك قبل مئات السنين!! 

والمشكلة، حسب هؤلاء، هي فقط في عجز المسلمين وكسلهم عن اكتشاف ما هو موجود بين أيديهم وافتتانهم بما لدى الأمم الأخرى. ولو أنهم آمنوا بأن كل قانون طبيعي وكل اختراع علمي وكل نظرية إنما هي موجودة في القرآن، وأن ما عليهم سوى التدبر والتأمل في آياته وسوره لتفوقوا على باقي الأمم ولبزوها في الاختراعات والاكتشافات!!

هذا هو منطق بعض رجال الدين (والأدق أن نقول الكثير منهم) في التعامل مع هذه المسألة. والمصيبة طبعا هي أن أحدا لم يسأل رجال الدين هؤلاء بما أنهم أكثر المتأملين والمتدبرين في آيات القرآن وسوره لماذا لم يكتشفوا أو يخترعوا هم أنفسهم لنا شيئا جديدا كي نباهي به الأمم الأخرى؟ 
لماذا لا يجمعون جهودهم وطاقاتهم لإثبات صحة ما يدعونه ويقولونه؟ 
لماذا تنحصر جهودهم في تلفيق ما تم اكتشافه من علوم مع خرافة الاعجاز العلمي للقرآن، بدلا من إخبارنا بما يمكن أن يكتشف أو يخترع الآن أو في المستقبل؟ 
بل لماذا لا يبادرون إلى إنشاء المعامل وأقسام البحوث في الجامعات لدراسة وتجربة ذلك الإعجاز؟ ولماذا لا يقومون بنشر بحوثهم وإنتاجاتهم الثمينة هذه في المجلات العلمية الرصينة؟ 

طبعا لن يحدث شيء من ذلك، لأني أعلم والقارئ يعلم أيضا بأنه لا يوجد إعجاز علمي في الأديان ولا هم يحزنون، وأن المسالة كلها مجرد خداع وضحك على العقول والذقون وباب من أبواب الرزق المفتوحة لهؤلاء.
وخلوها من الإعجاز العلمي لا يجب أن يكون مشكلة بالنسبة لهذه الأديان، فهذا ليس هدفها وهي لم تأت من أجل ذلك فيما اعتقد، فبحسب فهمي هدف الأديان هو مساعدة الإنسان في الجوانب الروحانية والأخلاقية. هي يفترض أن تمارس دورا شبيها بتلك التعاليم المختصة بالتنمية الذاتية. وهذه أيضا لها جوانب يمكن للإنسان أن يقبلها كما هي ويمكنه أن يرفضها، لكنه إن حاول أن يحولها الى قوانين ونظريات علمية فان الفشل حليفه لا محالة

لحسن الحظ فإن الإنسان ليس بحاجة إلى القيام بكل ذلك. هو يستطيع إن أراد أن يحتفظ بالاثنين وأن يبقي عقله وقلبه منفتحين على جميع الاحتمالات ومن دون أن يدعي بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة.
الشرط الوحيد لنجاحه هو عدم الخلط بين الاثنين، أو السماح لرجال الدين (ومن في حكمهم) بأن يأخذوه في نزهة إلى عالم الوهم والأكل من ثمرة الخرافة والأساطير ومن ثم الهبوط من مستوى العقل والعلم والمنطق السليم الى ما دون ذلك.

بمعنى آخر فإن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بإيمانه، وفي الغالب سيكون هذا روحانيا وليس دينيا، وفي الوقت نفسه يؤمن بالعلم والعقل وقيم الحضارة الحديثة، ولا تناقض بين الأمرين. إذ أن الروحانية، وعلى عكس الدين، هي في جوهرها سعي وبحث فردي عن المعرفة (أو الحقيقة) من دون حدود أو قيود أو مسلمات، وهي معرفة تختلف عن المعرفة العقلية أو العلمية ولكنها لا تتناقض معها، وإنما تكملها. فهي تشتغل في المساحة التي لم يصل إليها العلم والعقل بعد، لكن من دون الادعاء بأنها بديلا عنهما أو أن ما تشتغل عليه هو الحقيقة المطلقة. فحين يكون لكل فرد حقيقته الخاصة به ينتفي المطلق.. كل مطلق.

الحرة

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*