أحدث المقالات

لماذا تحارب الدولة المصرية سيد قطب وتحتفي بالشعراوي

لماذا تحارب الدولة المصرية سيد قطب وتحتفي بالشعراوي

عبد الرحمن عباس:

 

"قرّر الإسلام عقوبة معجلة للمرتد عن الدين، فضلاً عن عذاب الآخرة، والعقوبة هي القتل، ولا يعتبر مرتكب الجريمة قاتلاً، بل يُعزر فقط لأنه اعتدى على حق الحاكم"، هذا ما كتبه السيد سابق في كتابه "فقه السنة"، المشهور بصرف النظر عن شهرة كاتبه.

ومنذ أيام طرحت قنوات "دي أم سي فيلماً وثائقياً عن سيد قطب، المرشد الروحي لجماعة الإخوان، وأبرز التكفيرين في القرن العشرين، وسلط الفيلم الضوء على أفكاره الظلامية ودوره في إرهاب الملايين، كما أوضح شخصية "قطب" المضطربة، وجاء هذا بعد وثائقي آخر عن "عبد الرحمن السندي"، أول زعيم للتنظيم الخاص للإخوان.

لم يحتو الفيلم على أي جديد مقارنة بما تم طرحه من قبل، لا زوايا جديدة أو معلومات أو حتى تفسيراً مختلفاً، وربما قد أتفهم أن الدولة اتبعت أسلوب التكرار ليترسخ وعي المواطنين بالأفكار الإرهابية ومروّجيها، لكن ما لا أقدر على فهمه أن الدولة حصرت الأفكار الإرهابية في رموز جماعة الإخوان، وتجاهلت غيرهم، وهم لا يقلّون إرهاباً عن سيد قطب وحسن البنا.

أعود للسيد سابق واسأل: لماذا لا ننتج فيلماً وثائقياً عن رجل فاق قطب في التكفير، بتأكيده في الجزء الثاني من "فقه السنة" أن من "يسب الدين" ولو في مشاجرة، أو يتبع "القوانين الوضعية"، أو "يستخف بأسماء الله الحسنى" هو مرتد ويجب قتله؟ بل إن "سابق" تخطى جميع من سبقوه بقوله إن "الكافر" إن أراد تبديل دينه الأصلي يجب قتله فيما عدا الإسلام، أي لو مسيحي قرر أن يصبح يهودياً أو العكس، يجوز للمسلم قتله. هذا رجل أباح دماء العالم، وكتابه في كثير من البيوت المصرية باعتباره إماماً وسطياً، خاصة أنه حصل على جائزة الملك فيصل لتجديده في الفكر الإسلامي!

السؤال نفسه ينطبق على عبد الصبور شاهين، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة القاهرة، ومستشار لأحد شركات توظيف الأموال التي استولت على أموال المصريين، ضمن فضائح "الشركات الإسلامية" في تسعينيات القرن الماضي.

هذا الرجل الذي شغل منصب عضو لجنة ترقيات الأساتذة بقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، هو أول من تحرّك ضد المفكر نصر حامد أبوزيد، وادعى أن كتاباته مخالفة للعقيدة، ثم أفتى بارتداده عن الإسلام ووجوب تفريقه عن زوجته، وهو ما حدث بحكم قضائي لاحقاً، ليبدأ عصر ما عُرف بـ"قضايا الحسبة"، والتي كانت مهمتها الأولى والأخيرة تكفير المفكرين ومن ثم حلّ دمائهم.

ويوضح جابر عصفور في كتابه "ضد التعصب"، أن عبد الصبور شاهين، بمساعدة الشيخ يوسف البدري، حرّكوا دعاوى لتكفير 40 مثقف مصري في تسعينيات القرن الماضي، على رأسهم نجيب محفوظ، الذي تعرض لمحاولة اغتيال في تلك الفترة، ولم ينته الأمر إلا بقانون يقصر تلك الدعاوى على النيابة العامة، في "تقنين" ومشروعية أن يحكم أحد على إيمان أحد.

أما الداعية أبو إسحاق الحويني فلا يحكم على الإيمان، ويتّهم كثيراً من المسلمين بالكُفر ويهدر دمهم، بل يرى أن سبب تخلف المسلمين هو قعودهم عن "الجهاد"، ويجب علينا أن "نغزو" العالم ونأخذ الناس "سبايا".

النماذج كثيرة ولا تقتصر على ثلاثة فقط، ولكن ما وددت قوله، إن الإرهاب ليس حصراً فقط على جماعة الإخوان، ومن سبق ذكرهم يختلفون تنظيمياً لكنهم يتفقون على نقطة هي برأيي منبع الإرهاب، أن يمنح أحد نفسه الحق في الحكم على إيمان الآخرين، وبالتالي تكفيرهم ثم محاربتهم، وهي سبب لمعظم الجرائم الإنسانية.

وكي أكون أكثر وضوحاً، فإن مشكلتنا مع الأفكار لا الأشخاص، ولو تخلى متطرف عن أفكاره فلن يكون هناك ما يُدينه، وإذا اعتنق فرد عادي تلك الأفكار سيتحول وقتها إلى عدو.

ومن هذا المنطلق فإن أي شخص مهما علت مكانته واختلفت طريقته في الحديث، وسواء ارتدى "بدلة" أو "عمامة" فإن فيصل أفكاره هي من سيعطيه مقعده الحقيقي.

ولهذا أطرح السؤال: لماذا لا تحارب الدولة الجميع إن كانت صادقة في مواجهة الإرهاب؟ ولماذا تسلط الضوء على ظلاميين ممثلين بجماعة الإخوان، بينما تغض الطرف عن بعضهم؟

والإجابة، أن الدولة تسير بنظرية "غض الطرف" طالما أن تلك الأفكار صادرة عن أشخاص لا يقتربون من المنظومة السياسية بأي دعوة أو تحريض، ولا يحلمون بالحكم، حتى لو أدى ذلك في النهاية لصنع مجتمع متشدد، ولهذا السبب تحديداً فنحن واقعون بين ثنائية "الإخوان والعسكر".

أما إذا صدرت تلك الأفكار عن جماعات تنظيمية تريد الحكم، فإن الدولة تعلن مواجهة الإرهاب وتستخدم كل الوسائل، من أفلام وثائقية ومؤتمرات، لترسيخ قيم المواطنة وإحلال دولة القانون، ولكن حتى مع تلك الوسائل فإنها تركز على أشخاص بعينهم.

ونتيجة لتلك الازدواجية في التعامل، فأغلبنا بات يؤمن بالأشخاص لا الأفكار، فإن صدرت فتوى مِمَن تصفهم الدولة بـ"التكفيرين" نرفضها، لكننا نقبل مثلها شرط أن يظهر قائلها على شاشة التلفزيون، وكم طالع المصريون تكفيرين ظهروا في تلفزيون الدولة على مدار العقود الماضية.

ولذلك لم أتعجب أنه في الوقت الذي تعرض فيه قنوات "دي إم سي"، المقربة من الدولة، فيلماً وثائقياً عن سيد قطب باعتباره أشهر إرهابي، يبرز خبر أن الشعراوي الذي أفتى أيضاً بقتل تارك الصلاة، يُزين جناح الأزهر بمعرض القاهرة للكتاب، فخطيئة قطب أنه أراد الحُكم، وميزة الشعراوي قوله: "الحاكم لا يُسأل عما يفعل".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

رصيف 22

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*