أحدث المقالات

ماذا تبقى من إردوغان المصلح...لا شيء؟

ماذا تبقى من إردوغان المصلح...لا شيء؟

تركيا والاستفتاء على النظام الرئاسي

في حوارها التالي لموقع قنطرة مع لاورا دونيغ، ترى الصحفية الألمانية-التركية-الكردية تشيديم أكيول –كاتبة سيرة حياة إردوغان غير الرسمية– أن اتهامات إردوغان العبثية لألمانيا بالنازية، رداً على إلغاء حملات سياسية تركية في ألمانيا، هي استفزاز بدوافع سياسية، وتُمثِّل جزءًا من استراتيجيته الانتخابية. فقد عزف إردوغان من جديد على وتر القومية سعياً منه لإنجاح الاستفتاء على نظامه الرئاسي. ولكن كلما ازدادت الردود غير الموضوعية من قِبَل السياسيين الألمان ووسائل الإعلام الألمانية استفاد إردوغان أكثر.

السيِّدة أكيول، كيف يبدو حاليًا عملك كصحفية في إسطنبول؟

تشيديم أكيول: قد لا يصدِّقني أي شخص، ولكن في الواقع لم تكن لديَّ حتى الآن أية صعوبات مع الحكومة التركية. لقد حصلت دائمًا على بطاقتي الصحفية من أنقرة. وصحيح أنَّ إصدارها كان يتأخَّر، لكن كان يجب حتى على بعض الزملاء الألمان الآخرين الانتظار طويلًا من أجل الحصول على اعتماداتهم الصحفية.

من المهم دائمًا أن نؤكِّد - وهذه هي الحقيقة - على أنَّ إردوغان انتخب ديمقراطيًا. صحيح أنَّ الانتخابات كانت غير حرة جزئيًا، ولم تكن بكل تأكيد نزيهة - غير أنَّ هذا الرجل ليس ديكتاتورًا. وهذا يعني أنَّه من المهم للغاية ألاَّ ننساق وراء الأمزجة الشعبوية وأن نتناول الموضوع بموضوعية ونلتزم بالنزاهة. وهذا بطبيعة الحال ليس سهلاً علينا دائمًا، نظرًا إلى الوضع السياسي، لأنَّنا نحن الصحفيين في النهاية بشر. ولكن يجب علينا أيضًا أن نأخذ بعين الاعتبار في تغطيتنا الإعلامية جوانب إردوغان الإيجابية السابقة، من أجل التمكُّن من تفسير قوَّته وعناده اليوم.

ما هي الجوانب الإيجابية التي تفكرين بها؟

تشيديم أكيول: في الحقيقة لقد كان مصلحًا. ومما قام به على سبيل المثال توسيع حقوق المرأة ولبعض الوقت أيضًا توسيع حرية الصحافة. كما أنَّه قاد تركيا إلى أبواب الاتِّحاد الأوروبي، وأوجد طبقة وسطى، لم تكن موجودة بهذا الشكل في السابق. وبفضل إردوغان تم تحسين الأنظمة الاجتماعية. وهذه بطبيعة الحال أمور ساهمت مساهمة كبيرة للغاية في نجاحه.

وفي عهد إردوغان كانت توجد في البلاد لعدة أعوام نهضة اقتصادية، لم يسبق لها مثيل في تركيا من قبل. لكن جميع هذه الجوانب يتم إخفاؤها عن طيب خاطر، لأنَّها لا تتناسب مع صورة العالم الموجودة في الغالب لدى الصحافة الناطقة باللغة الألمانية عن إردوغان. في الواقع تم الاتفاق على أنَّ إردوغان قد وُلد مستبدًا.

تكميم أفواه الإعلاميين المعارضين في تركيا: تم توقيف عشرة موظفين من صحيفة "جمهوريت" الناقدة للحكومة وحدها، وكذلك الصحفي المعروف أحمد شيك، بتهمة الإرهاب على ذمة التحقيق. يتراوح عدد الصحفيين في السجون التركية بحسب المعلومات بين أكثر من 140 صحفيًا (منصة الصحافة المستقلة P24) وبين أكثر من 80 صحفيًا (لجنة حماية الصحفيين COJ). وبعد الانقلاب الفاشل تم إغلاق أكثر من 170 وسيلة إعلامية ودار نشر بموجب قوانين الطوارئ في تركيا.

لكن ماذا تبقَّى من إردوغان المصلح؟

تشيديم أكيول: لم يتبقَّ أي شيء من ذلك. واليوم إنَّ مَنْ لا يزال يدَّعي أنَّ إردوغان لا يزال يسير على مسار الديمقراطية أو أنَّه حتى لا يزال مهتمًا بالإصلاح الديمقراطي، فهو شخص يعيش في تركيا أخرى غير تركيا التي أعيش فيها. تركيا التي أعيش فيها هي دولة الناس الذين يخافون، الذين يخشون من أن تُسحب منهم جوازات سفرهم، والذين يتم سجنهم ويفقدون وظائفهم لأنَّهم ينتقدون الحكومة.

في عهد الرئيس إردوغان لم يتم فقط احتجاز المراسل التركي-الألماني لصحيفة "دي فيلت" الألمانية، دنيز يوجيل، بل إنَّ عشرات الصحفيين الأتراك المنتقدين للحكومة يقبعون خلف القضبان. لقد تناولتِ في سيرة حياة إردوغان غير المُعتمدة منه علاقته مع الصحافة. فكيف تطوَّرت هذه العلاقة؟

تشيديم أكيول: العلاقة بين إردوغان والصحافة لم تكن جيدة قطّ. وقبل كلِّ شيء الصحافة الكمالية، التي كانت قوية جدًا في السابق، عارضت إردوغان معارضة شديدة. وإردوغان ينتقم الآن من ذلك. وعندما كان إردوغان بين عام 1994 وعام 1998 رئيسًا لبلدية إسطنبول، اشتكى من أنَّ الصحافة الكمالية تستخدم ضدَّه أي شيء يقوله بصرف النظر عن مضمونه.

لقد كانوا يسخرون منه لأنَّه ينحدر من أسرة فقيرة. وكذلك كانوا يستهزئون بزوجته وبناته، لأنَّهن يرتدين الحجاب. وفي الحقيقة لم تكن هناك تغطية إعلامية نزيهة. وإردوغان بالذات لم يُقدِّر قيمة الكلمة الحرة قطّ، لكنه كان مضطرًا لتحمُّلها. ولكن منذ محاولة الانقلاب الفاشلة بدأ إردوغان الآن موجة تطهير كبيرة ضدَّ جميع من لا يتفقون معه في الرأي.

بسبب رفض ألمانيا ظهور وزراء أتراك في الحملة الانتخابية التركية في ألمانيا، تحدَّث الرئيس التركي حول وجود "ممارسات نازية" في ألمانيا. برأيك هل كانت هذه المقارنات بالنازية جادة أم هي مجرَّد استراتيجية لإثارة الانتباه؟

تشيديم أكيول: اتِّهاماته العبثية تُمثِّل جزءًا من استراتيجيَّته الانتخابية. وهذا الاضطراب الداخلي، الذي يهيمن الآن في ألمانيا على العلاقات الألمانية-التركية، يُفيد إردوغان. وإردوغان يصطاد في مياه اليمين التركي من أجل نظامه الرئاسي الذي يسعى إلى فرضه، وهو يحتاج إلى أصوات القوميين ولذلك فهو يعزف الآن من جديد على وتر القومية. فكلما ازدادت أكثر الردود غير الموضوعية من قِبَل الحكومة الألمانية والسياسيين الألمان والرأي العام الألماني استفاد هو أكثر.

ولهذا السبب فهو يُشعل الوضع على هذا النحو. ولكن في الواقع يجب على المرء ألاَّ يقع في هذا الفخ. ونصيحتي هي: يجب على المرء أن يبقى موضوعيًا ومهذبًا ومع ذلك يجب عليه أن يضع إصبعه بطبيعة الحال على الجرح. 

إخفاء الحقيقة: "في عهد إردوغان كانت توجد في البلاد لعدة أعوام نهضة اقتصادية، لم يسبق لها مثيل في تركيا من قبل. لكن جميع هذه الجوانب يتم إخفاؤها عن طيب خاطر، لأنَّها لا تتناسب مع صورة العالم، الموجودة في الغالب لدى الصحافة الناطقة باللغة الألمانية عن إردوغان. في الواقع تم الاتفاق على أنَّ إردوغان قد وُلد مستبدًا"، مثلما ترى تشيديم أكيول.

برأيك ما هو الجرح الأكثر إلحاحًا الذي يجب على المرء أن يضع عليه إصبعه الآن؟

تشيديم أكيول: تفكيك ما تبقى من الديموقراطية في تركيا. يجب على برلين وأوروبا أن تطالبا بكلُّ وضوح بألاَّ يتم سجن المزيد من السياسيين المعارضين، وألاَّ يضطر أيضًا الصحفيون المعارضون القليلون في تركيا إلى الخوف على حياتهم، وألاَّ يتم تقويض دولة القانون، وأن يتم الحفاظ على الفصل بين السلطات.

كيف يبدو وضع منتقدي الحكومة والمشهد الثقافي في تركيا الآن؟

تشيديم أكيول: المنتقدون يتراجعون باستمرار ويعملون في الخفاء. صحيح أنَّ هناك أشخاصًا لا يزالون يتظاهرون في الشوارع من أجل التصويت بـ"لا" في الاستفتاء على الدستور، ولكن في العادة يتم اعتقالهم.

والموضوع الرئيسي بين الناشطين فى مجال الثقافة، وبين المثقَّفين عامةً، يكمن في هذا السؤال: "كيف أستطيع مغادرة هذا البلد؟" وهل توجد مِنَحٌ دراسية؟ وما هي الدول المحتملة؟ وذلك لأنَّ الأمل في تحسُّن التطوُّرات الديمقراطية في تركيا بات منعدمًا الآن.

 

حاورتها: لاورا دونيغ

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: دويتشه فيله/ موقع قنطرة 2017 

تشيديم أكيول (38 عامًا) تعيش في اسطنبول وتعمل مراسلة لوكالة الأنباء النمساوية APA. ولدت في ألمانيا من أصول تركية كردية. في عام 2016 تم نشر كتابها "سيرة حياة إردوغان" غير المعتمدة منه رسمياً.

موقع قنطرة

 

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*