أحدث المقالات

الدين والخطاب الديني (1)

الدين والخطاب الديني (1)

بابكر فيصل:

 

لا شك أن أحد نقاط الخلل الجوهري التي تعتري خطاب جماعات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين يتمثل في الاعتقاد بأن فكر الجماعة يُمثل مقصد الدين، وهو الأمر الذي تترتب عليه الأخطاء الكثيرة التي تصاحب سلوك أهل ذلك التيار وتؤدي إلى فشلهم المؤكد.

هذه النقطة الهامة أشار إليها المفكر الراحل، نصر حامد أبوزيد، في كتابه القيم "نقد الخطاب الديني" ضمن آليات ذلك الخطاب وأطلق عليها مسمى "التوحيد بين الفكر والدين" حيث يتم من خلالها إلغاء المسافة الضرورية بين "الذات والموضوع" وبالتالي يُصبح تأويل الجماعة للنصوص الدينية متطابقا مع الدين نفسه.

يؤدي هذا النوع من الخطاب إلى نتائج كارثية من بينها أن أصحابه لا يحتملون أي نوع من التأويل المختلف للقضايا الدينية، باعتبار أن ذلك يمثل خروجا عن "صحيح الدين" الذي تمثله الجماعة والتي تتحول في نهاية الأمر إلى المتحدث الحصري باسم الله.

للتدليل على ذلك، أقتطف فقرة من رسالة كتبها المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في السودان، علي جاويش، يقول فيها إن "دعوة الإخوان المسلمين التى أسسها الأستاذ حسن البنا.. منذ أكثر من ثمانين عاماً فى هذا العصر هي امتداد وسير على منهج الدعوة التي جاء بها الرسول.. وبما أوحاه الله.. إليه لإنقاذ البشرية من النار وإدخالهم الجنة وإصلاح أمرهم بها دنيا وآخرة. فقال له "فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم" (سورة الزخرف 43).

وأضاف: "فالدعوة التى أسسها الإمام حسن البنا.. هي ذات الدعوة التي أتى بها النبي.. لاتختلف عنها إلا بقدر ما يبذل القائمون بها من جهد وما يحققون من عمل صالح".

قد يندهش البعض ويستغرب لهذه الجرأة الشديدة من الأستاذ جاويش في وصف دعوة البنا بأنها "هي ذات الدعوة التي أتى بها النبي.."، ولكن هذا الاستغراب سيزول سريعا إذا ما علموا أن جاويش لم يبتدع شيئاً وإنما هو يسير على خطى المرشد المؤسس حسن البنا، الذي قال في رسالة المؤتمر الخامس إن "على كل مسلم أن يعتقد أن هذا المنهج "أي منهج الإخوان المسلمين" كله من الإسلام, وأن كل نقص منه نقص من الفكرة الإسلامية الصحيحة". 

نحن هنا إزاء فكرة في غاية الخطورة تقول لجميع المسلمين إن أي نقص في فكر جماعة الإخوان المسلمين إنما هو نقص من الفكرة الإسلامية الصحيحة، وهذا يستتبع أن ما عداها من الأفكار هو الخطأ بعينه ومن هنا تتولد جميع الممارسات الخاطئة المتمثلة في الإقصاء والعنف والتمكين، حيث تتحول الجماعة إلى "جماعة المسلمين" وليس "جماعة من المسلمين" وحيث يتحول الأخوة في الجماعة إلى عُصبة ربانية تمتلك "الحق المطلق" بينما يتحول أي مسلم آخر إلى درجة أدنى منهم.

ليس هذا فحسب، بل أن البنا يُعرِّف طبيعة الجماعة في رسالة "الإخوان تحت راية القرآن" بالقول: "ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك لأنه نظام رب العالمين ومنهاج رسوله الأمين. نحن أيها الناس ـ ولا فخر ـ أصحاب رسول الله، وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو لوائه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين ولتعلمن نبأَه بعد حين .. فمن تبعنا الآن فقد فاز بالسبق، ومن تقاعد عنا من المخلصين اليوم فسيلحق بنا غدا، وللسابق عليه الفضل. ومن رغب عن دعوتنا زهادة أو سخرية بها أو استصغارا لها أو يائساً من انتصارها، فستثبت له الأيام عظيم خطأه، وسيقذف الله بحقنا على باطله فيدمغه فإذا هو زاهق فإلينا أيها المؤمنون العاملون، والمجاهدون المخلصون، فهنا الطريق السوي، والصراط المستقيم، ولا توزعوا القوى والجهود"، وأَن "هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (الأنعام:153)". 
هاهو المرشد المؤسس يقول عن الإخوان إنهم أصحاب رسول الله، ويقول عن دعوته إنها الطريق السوي والصراط المستقيم ونظامها هو "نظام رب العالمين"، وبالتالي فهو يُطابق بينها وبين دعوة الرسول الكريم، وهنا يكمن المأزق الحقيقي لأن كلامه هذا يعني أن مخالفة نهج الجماعة تعني مخالفة الإسلام الصحيح!

هذا التعريف لطبيعة الجماعة من قبل مؤسسها يمنحها الصلاحية الكاملة  لاحتكار المفهوم الصحيح للدين وبالتالي تكون قادرة على إدانة وتجريم وطرد كل من يخالفها، ليس من أسوار الجماعة فحسب، بل من إطار الإسلام نفسه، وهو من ناحية أخرى يجعل الأعضاء في حل من احترام أي قوانين أو دساتير أو نظم أو مبادئ لا تتسق مع أهداف الجماعة.

أما المرشد العام السابع للجماعة في مصر، محمد مهدي عاكف، فقد عبَّر عن تطابق فكر الإخوان مع الدين في حوار نشرته صفحة الإخوان على الشبكة العالمية "إخوان أونلاين" في أبريل 2006 بالقول: "وليس هناك أحق من أن يقول الحق كما أنزل على قلب محمد.. إلا الاخوان المسلمون"!

ليس من المستغرب إذن أن يخرج من صلب هذا النوع من الاعتقاد الإقصائي والفكر الاستعلائي شخص يقول إن المسلمين جميعا يعيشون في جاهلية، ويصل بفكر المرشد المؤسس لنهاياته المنطقية: التكفير والقتل والإرهاب، فهاهو سيد قطب، مفكر الإخوان المسلمين الأثير، يقول في "معالم في الطريق": "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية: تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم". 

وفي تفسيره "في ظلال القرآن"، وهو التفسير المحبب للإخوان المسلمين، يصدر قطب بإسم الإسلام حكمه النهائي على المجتمعات الإسلامية المعاصرة ويقول إن: "موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية يتحدد في عبارة واحدة: إنه يرفض الإعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها". 

في اعترافات نادرة، قال عضو الجماعة في السودان، مبارك الكودة، "في مسيرتي الطويلة وأنا في حركة الإخوان المسلمين، أعترف بأني أخطأت في مفاهيم كثيرة منها مفهوم الجماعة في الإسلام ومفهوم الإمارة و الطاعة لأولي الأمر، وأخطأت كذلك في مفهوم الإعتراف بالآخر وإنسانيته وحقوقه، وهذه الأخطاء المفاهيمية شكلت تكويني العقلي مما جعلني اخطئ التقدير فيما هو ظني الدلالة".

إن الخطأ الذي يعتري مفاهيم الجماعة في الإسلام والإمارة والطاعة لأولي الأمر هو في واقع الأمر خطأ متولد عن الخلل الرئيسي في الخطاب الذي يُطابق بين دعوة الإخوان المسلمين والإسلام، وهو خطأ أساسي لن تكون محصلته الأخيرة سوى تجذير ثقافة الاستبداد والحرب وترسيخ مفاهيم الإذعان والانقياد الأعمى وقمع الاختلاف والتنوع.

غني عن القول إن ذلك الخطاب على المستوى الأخلاقي - كما يقول علي حرب - له وظيفة سلطوية متمثلة في الحفاظ على وحدانية المرجعية من خلال احتكار المشروعية، فهو خطاب لا يعطي الغير أي مشروعية أو مصداقية لأن من شأن ذلك زعزعة سلطته العقائدية، أي التشكيك بيقينية معتقده، وهو الأمر الذي يفقده مبرر دعواه أو فلنقل ادعاؤه بأنه الصراط المستقيم ونظام رب العالمين كما يقول المرشد المؤسس.

إن المأزق الحقيقي الذي تعاني منه جماعة الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي على وجه العموم، هو مأزق فكري يتعلق بالدرجة الأولى بطبيعة خطابها الذي يُطابق بين دعوتها والمقاصد الإلهية ولا يرى مسافة فاصلة بين الجماعة والإسلام ولا يسمح بأي فهم أو تأويل للنصوص الدينية سوى تأويلها الخاص.

الحرة

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*