أحدث المقالات

تركيا وسياسة "ملء فراغ" السعودية في العالم الإسلامي؟

تركيا وسياسة "ملء فراغ" السعودية في العالم الإسلامي؟

عريب الرنتاوي:

 

خلال العقد الفائت، بدا أن الصراع على "زعامة" العالم الإسلامي، يكاد ينحصر بين دولتين اثنتين: السعودية (عربيا) وإيران (إقليميا)... في هذا الصراع، كان واضحا أن كفّة السعودية هي الراجحة على الدوام، أقله بفعل الغَلَبة العددية للمسلمين السنّة على الشيعة، لكن ذلك لم يمنع إيران، دولة المركز الشيعي، من الاستمرار في المنافسة والتحدي...

امتلكت السعودية عناصر قوة واقتدار أهّلتها للقيام بهذا الدور، فهي تتوفر على عوائد مالية ـ نفطية هائلة، وهي تحتضن أهم مسجدين للمسلمين في مكة والمدينة، وعلاوة على هذا وذاك، فلطالما انتهجت المملكة سياسة أكثر اتزانا وتوازنا في تعاطيها مع الصراعات العربية والإسلامية البينية...

كل هذا تغير الآن، فالإيرادات النفطية في تآكل مستمر، والحضانة السعودية للمسجدين تتعرض لانتقادات حادة من قبل خصومها ومنافسيها، أما دورها الإقليمي، فقد بات يتسبب لها بخصومات وعداوات، لن تجعلها قادرة على مواصلة دورها التقليدي، والأرجح أن هذا الدور، سيتعرض لهزة أقوى، إن حصل الانتقال في السلطة من الجمهوريين إلى الديمقراطيين في انتخابات نوفمبر الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة.

وربما من "سوء طالع" زعيمة العالم الإسلامي السنّي، أنها بدأت خلال العشرية الأخيرة، تواجه منافسا قويا على الزعامة، من داخل العائلة السنيّة ذاتها، وبما يجعله تهديدا أشد خطورة على مكانتها...

فمع اندلاع ثورات "الربيع العربي"، وبعد الطفرة الاقتصادية المثيرة للانطباع التي سجلتها تركيا في العقدين الأخيرين، وتفاقم "الطموحات العثمانية" لدى قيادتها ذات المرجعية الإسلامية ـ السنيّة، بدا أن تركيا، أكثر من غيرها من دول منظمة التعاون، مرشحة لقيادة العالم الإسلامي، ومنافسة السعودية على دورها التقليدي.

تكاد أنقرة تشتبك مع الرياض، في مختلف ساحات الصراع والأزمات المفتوحة في الإقليم، من سوريا والعراق، وصولا إلى ليبيا... تركيا تحقق تقدما، وتحفظ مصالحها وتُنمّيها، إن لم يكن بالوسائل والأدوات الناعمة، فبالوسائل والأدوات الخشنة إن اقتضى الأمر...

خرجت السعودية من الأزمة السورية منذ زمن، وأمسكت تركيا بتلابيب شمالها، وهي ركن ركين في مسار أستانا ـ سوتشي، من دون أن تقطع مع مسار جنيف والعلاقة مع واشنطن و"الأطلسي"...

خرجت السعودية من العراق، لتظل إيران لاعبا رئيسا على أرضه، تزاحمها تركيا على ورقتي "السنة والأكراد" سواء بسواء... في ليبيا، كانت المفارقة الكبرى: ألقت السعودية وحليفتيها، مصر والإمارات، بكل ثقلها خلف الجنرال خليفة حفتر، إلى أن جاء التدخل العسكري التركي في يناير هذا العام، ليقلب المشهد رأسا على عقب، وفي أشهر معدودات، وليحدث تبدلا جوهريا في توازنات القوى وديناميكياتها في هذا البلد الغني بنفطه وموقعه الجيوبوليتيكي المميز.

في ليبيا، تبدو تركيا لاعبا رئيسا اليوم، مدعومة من الولايات المتحدة وإيطاليا (إلى حد ما)، وعدد من الأطراف العربية، أهمها قطر وجماعة الإخوان المسلمين، في مواجهة لاعبين آخرين من مثل مصر وروسيا وفرنسا، فيما موائد الحوار والتفاوض في ليبيا وحولها، لن تحتفظ بمقاعد للوفد السعودي حين تلتئم مستقبلا، بعد أن فقدت الرياض قدرتها على التأثير في مسار الأحداث والتقرير بشأنها.

الجديد في التزاحم التركي ـ السعودي، ما نشهده اليوم في اليمن ولبنان، الدولتان اللتان كانتا حتى الأمس القريب، ساحتي نفوذ منفرد للسعودية، أقله في أوساط "أهل السنة والجماعة" فيهما... التقارير المتواترة من اليمن، تتحدث عن بداية "تسلل" تركي إلى هذا البلد، من بوابة تعز ـ مأرب ـ أبين، وتحت مظلة التجمع اليمني للإصلاح (إخوان اليمن المسلمين)، والتقارير ذاتها تكشف عن استخدام تركيا لمزيج من الأدوات الناعمة والخشنة، من الإغاثة والمساعدات، إلى التسليح والتدريب.

في اليمن، كما في ليبيا، وخلافا لسوريا، تستظل تركيا بورقة "الشرعية"، وفي كلتا الحالتين تراهن أنقرة على "حصتها" في هذه "الشرعية": الإخوان، الذين تقول التقارير إنهم ينقسمون إلى تيارين: تركي وسعودي، وبينهما صراع محتدم، تغذيه "الجماعة الأم" بدعواتها المتكررة لفرعها اليمني، لـ"الاستقواء" بالدعم التركي الفاعل، في مواجهة "الباطنية" السعودية، التي تقيم تحالفا مع الإخوان في اليمن، وتستعديهم في كل مكان آخر، فضلا عن ضعف كفاءة المملكة في إسناد الحلفاء ونجدتهم...

تركيا قلبت الموازين في ليبيا في خمسة أشهر، فيما لم تنجح السعودية في حرب السنوات الخمس بإعادة عبد ربه منصور هادي إلى صنعاء، بل وأخرجته من عدن، عاصمة "ملكه السعيد" المؤقتة.

أما في لبنان، فمنذ مدة بدأت ترتفع الرايات التركية فوق أسطح البنايات وفي المسيرات الراجلة والسيّارة بين بيروت وطرابلس والبقاع الغربي، وسط تقارير مؤكدة عن انقسامات داخل "الحريرية السياسية" المحسوبة تاريخيا على السعودية، بين مؤيد لتركيا وموالٍ للسعودية، وثمة معلومات عن توجيه أنقرة لجهود مكثفة من أجل استقطاب الطائفة السنيّة اللبنانية، بعد أن تبدد شملها في الانتخابات الأخيرة، ونخرتها انقساماتها الداخلية، وتآكلت مكانة قيادتها المترددة والمتلعثمة... فهل تطمح تركيا لـ"وراثة" الدور السعودي في لبنان، بوصفها "راعية" للطائفة السنيّة، في مقابل إيران، الحاضنة الإقليمية لـ"الثنائي الشيعي"؟

وإلى جانب التقارير التي تتحدث عن "موسم حجيج" لبناني صامت إلى أنقرة، وأموال تدفع عبر قنوات اجتماعية وإغاثية، ومحاولات لا تهدأ لإحياء "الموروث العثماني" في البلاد، فضلا عن واقعة استهداف إعلامي لبناني انتقد تركيا في ذكرى "المجزرة الأرمنية"، وترحيب الجماعات الدينية السنية بقرار تحويل "آيا صوفيا" من متحف إلى مسجد، وانتقال الصراع بين أجنحة "الحريرية السياسية" من السر إلى العلن، ثمة ما يكفي من المؤشرات الدالّة على أن الدور التركي قادم إلى لبنان، وليس مستبعدا أن نرى إيران وتركيا، تشقان "مسار أستانا -2" لهذا البلد، فيما البحث جارٍ على ما يبدو عن "راعٍ دولي" للمكون المسيحي (غير روسيا)، لتكتمل بذلك "ثلاثية أستانا" وإن بصيغة جديدة.

قبل كل هذه التطورات على مستوى الإقليم وأزماته المفتوحة على احتمالات توسع الدور التركي فيها، كانت أنقرة والدوحة، تسعيان في كسر الاحتكار السعودية لقيادة منظمة التعاون الإسلامي، في هذا السياق، يمكن النظر إلى قمة كوالالمبور (ديسمبر 2019)، بوصفها أكبر وأوضح تحدٍ لزعامة السعودية... القمة جمعت إيران بتركيا وماليزيا وقطر، ولولا ضغوط اللحظة الأخيرة المكثفة، لرأينا عمران خان يمثل بلاده (باكستان) في القمة، وهو الاحتمال الذي ما زال قائما على أية حال.

والحقيقة أن النجاحات الإقليمية التركية، على صعوبة الاحتفاظ بها وبرغم كلفها الباهظة، تظهر الفارق بين السياستين السعودية والتركية، إن على مستوى الإرادة والتصميم وطول النفس والمرونة، أو على مستوى التخطيط طويل الأجل فضلا عن تفاوت القدرات المؤسسية لكل منهما...

تركيا، العضو الفاعل في "الأطلسي" تحتفظ بأوثق العلاقات مع إيران والولايات المتحدة، وعلاقتها بروسيا ضربا من "الزواج الكاثوليكي"، وهي قادرة على الإبقاء على "شعرة معاوية" حتى مع ألد خصومها السياسيين في المنطقة (حوارات فنية مع القاهرة حول ترسيم الحدود البحرية، وتبادل تجاري نشط مع إسرائيل)، وهذا ما تفتقده السياسة السعودية التي جنحت في السنوات الخمس الأخيرة للمغامرات غير المحسوبة، واعتمدت سياسة "من ليس معنا فهو ضدنا"، ودخلت في حرب مفتوحة مع أطراف عديدة، داخلية وخارجية، شلّت قدرة المملكة على القيام بدور قيادي فاعل، لا في العالمين العربي والإسلامي فحسب، بل وحتى في إطار مجلس التعاون الخليجي ذاته، والذي بات منقسما على نفسه، ومتمردا على "زعامته التاريخية".

رصيف 22

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*