أحدث المقالات

بين مطرقة الإسلاميين وسندان القوميين... ضاعت آمال أجيال بالحرية

بين مطرقة الإسلاميين وسندان القوميين... ضاعت آمال أجيال بالحرية

هاني دويك:

 

في ظلِّ الوضع السياسي الراهن في منطقة الشرق الأوسط، لا يسع المرء إلّا أن يحاول أن يفهم المشهد بشكله الحالي، وأيضاً جذوره التي تمتد إلى ما لا يقل عن سبعين عاماً.

لست بصدد التكلّم عن وضع دول المنطقة إبّان الاستعمار الفرنسي والبريطاني، حيث أن ذلك الموضوع يطول شرحه. ولكن وبعد النقاش مع أشخاص ينتمون للقطبين الأكبر في الشرق الأوسط، وهما التيار الإسلامي والتيار القومي بجميع تشعباتهما، أدركت تماماً بأنهما وجهان لعملةٍ واحدة، مع أنهما مختلفان أيديولوجياً، ولكنهما يقومان على نفس المنطق ونفس التطبيق. سأبدأ بسرد بعض المقارنات التي قد يتفق أو يعترض البعض عليها

أولاً، مفهوم الجماعة أو التيار: كلاهما يؤمن بضرورة الانتماء للجماعة وإلغاء الفردية لصالح "الجماعة"، وهذا يظهر جلياً في مفهوم جماعة الإخوان المسلمين وفي أحزاب القوميين/ الناصريين، الذين يؤمنون إيماناً أعمى بأن أفكارهم هي الأصحّ، وبأن أي فكرٍ معارضٍ هو عدو أو على أحسن تقدير مضلل.

ثانياً، مفهوم الغاية تبرّر الوسيلة: كلاهما يبرّر الممارسات الوحشية واللا إنسانية باسم المصلحة العامة، فالجماعات الإسلامية تبرّر القتل والاغتيالات والتفجيرات باسم الجهاد وخدمة إعلاء "الحق"، في المقابل يبرّر القوميون/ الناصريون الأفعال الوحشية والتعذيب والإخفاء القسري والقتل، باسم خدمة الوطن و"تنظيف" الوطن من الخونة.

ثالثاً، استخدام النساء كسلعةٍ وتوظيفهن في دعارةٍ مبطنة باسم خدمة الوطن أو القضية: فالإسلاميون استخدموا النساء لتلبية احتياجات الرجال جنسياً في أفغانستان والعراق وسوريا وغيرها من الدول، تحت مسمياتٍ عدة، من جهاد النكاح وزواج المسيار وغيرها، وعلى الجانب الآخر استخدم القوميون/ الناصريون النساء لخدمة "الوطن" في عدة مراحل من تاريخهم، أشهرها كان في ستينيات القرن الماضي، عندما استخدم نظام عبد الناصر النساء بطريقةٍ قذرة لابتزاز شخصياتٍ مصرية وعربية، بعد تصويرهم مع نساء مجتمعٍ وفنانات في "أوضاع مخلّة"، وكل ذلك باسم خدمة الوطن.

وهنا يستوقفني عزيزي القارئ أحد مشاهد فيلم "كشف المستور" (1994) للمخرج عاطف الطيب، في تسعينيات القرن الماضي، عندما سلّط الضوء على هذه الحقبة، والتي ما زال بعض الناصريين حتى الآن يدافعون عنها ويبررون لعبد الناصر بأنه لم يكن يعرف وكان "مضللاً" من قبل حاشيته، في الوقت الذي كان على علمٍ بكل صغيرة وكبيرة.

في هذا المشهد تتحدّث الممثلة نبيلة عبيد مع رئيسها السابق في جهاز المخابرات يوسف شعبان، حيث تطلب منه أن يشرح لها ما هو سر اللعبة آنذاك، فيقول لها إنه عزل نفسه عن العالم، وفضّل أن يتوارى عن الأنظار باعتكافه في مزرعته، وتركه للخدمة منذ سنوات مضت لأنه "حمار". فتسأله نبيلة ما الذي جعله يعتقد أنه "حمار"، فيجبيها: "لأن الحمار فقط هو من يصدّق بأن الوطن يستفيد من تلك العمليات القذرة."

رابعاً، التخوين والتكفير: فالإسلاميون يهاجمون كل من يختلف معهم بجعبةٍ من الاتهامات الجاهزة، من كافر، زنديق، ملحد، كاره للإسلام وغيرها من الاتهامات. وفي الجهة المقابلة، فأي شخص ينتقد فكر القوميين، فهو إمبريالي، طابور خامس، عديم الوطنية، يخدم أجندات خارجية، رأسمالي حقير وغيرها من الإتهامات.

خامساً، التنصّل من المسؤولية داخل تيارهم: فعند انتقاد التيار الإسلامي بجرائم الجماعات في عدة أماكن حول العالم، يظهر علينا القادة بتبريراتهم وقولهم بأن هذه الأفعال هي فردية ولا تمثّل الجماعة ولا تمثل الإسلام بشيء، وعند انتقادهم بأن لهم توجّهاً غربياً، وبأنهم يستلمون دعماً مالياً ولوجستياً من عدة جهاتٍ غربية وعربية وحتى إسرائيلية، فتجد جوابهم الحاضر، بأن الحرب خدعة والغاية تبرر الوسيلة.

في المقابل، عند انتقاد القيادات القومية/ الناصرية باستخدام الغرب والشرق كوسيلةٍ لتحقيق مصالحهم، تكون الإجابة بأن ذلك خطة "تكتيكية" لخدمة الوطن، وعند انتقاد قيادات القوميين لبعض رؤساء الدول الحاليين والذين هم أقرب لفكرهم، بأنهم "يبيعون" ممتلكات بلادهم ويستنزفون شعوبهم عن طريق إنشاء صناديق للتبرع "لبناء" أوطانهم، فيبدو أنهم نسوا بأن هذا الفكر قد أنشئ من قبل القوميين، من هتلر وعبد الناصر الذي كان وراء فكرة "تبرع لمصر بقرش"، وأيضاً "إهدائه" لبعض المعابد الأثرية لإسبانيا وإيطاليا لمساهمتهم في "بناء" الوطن.

هذه الشواهد وغيرها، تثبت لنا، أو على الأقل للبعض، بأن التيارين هما وجهان لعملةٍ واحدة، عملة كان شغلها الشاغل تدمير أجيال بكاملها عن طريق غسيل أدمغتها، وصرفها عن بناء الذات بالشكل الصحيح، أنظمة جنّدت ملايين الدولارات والموارد البشرية لقمع أي تحرّك سلمي يطالب فعلاً ببناء الأوطان سواء اقتصادياً، أو ثقافياً، أو اجتماعياً. أنظمة جعلت الفوضى أمراً عادياً، بل ومطلوباً في معظم الأحيان لكي تيسر أمورك، أيديولوجيات أقنعت أفرادها بأن أي شخص مختلف معك سواء بالدين أو العقيدة أو بأي مفهوم آخر، هو عدو يجب التخلّص منه قبل النظر في المخاطر الخارجية.

أجيال ضاعت وتضيع من خلال تكميم أفواهها، أو تهجيرها، أو ببساطة إحباطها داخلياً كيلا تتصدى لهم وتقف في وجههم.

ولكن ما زال الأمل موجوداً. هناك بعض الأصوات التي بدأت تعلو في صفوف الشباب الذين تخلوا عن إيمانهم بهذه الأفكار، شباب أدركوا بأن جيل آبائهم وأجدادهم من هذا التيار أو ذاك، ما هم إلا قطيع تربى على السمع والطاعة وتأليه القائد مهما تعدّدت أخطاؤه وتجاوزاته. جيل بات يدرك بأن النقد حلال، وبأن المواجهة ليست قلّة الأدب، وبأن الحلم والرغبة بأن تصبح أوطاننا أفضل مما هي عليه هي حق أساسي وليس منّة من الحاكم أو النظام.

فتحية لهؤلاء الشباب الذين أدركوا تماماً بأن مشوارهم صعب ومليء بالأشواك... ولكنه ليس بالمستحيل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

رصيف 22

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*