أحدث المقالات

المسلمون والتاريخ

المسلمون والتاريخ

حسين عبدالحسين:

 

اللمحة الموجزة التي حاولنا تقديمها في المقالة السابقة عن علاقة مدينة القدس بالمسلمين أثارت ردود فعل لدى القراء تشي بأزمة ثقافية يعيشها مسلمون كثر يستقون ما يعرفونه عن الماضي، والحاضر، من نصوص دينية لا تفي بالغرض.

ومما قلناه إن تفسير آية "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" والقول إن "المسجد الأقصى" هو نفس المقصود في القدس اليوم، هو تفسير يتعارض والمنطق.

ويؤرخ المسلمون المساجد، فيعتبرون أن أول مسجد هو قباء، على طريق مكة إلى المدينة، وهو سابق للمسجد النبوي. أما المسجد الحرام، فتسميته القرآنية بيت، وهو لم يتحول مسجدا إلى ما بعد فتح مكة، في العام 629، ما يتطلب تغيير تاريخ الإسراء من ما قبل الهجرة، حسب الاعتقاد السائد، إلى ما بعد فتح مكة، أي بعد هدم الرسول الأصنام، إذ لا يمكن السجود في مكان كان يعج بالأصنام، مثل الكعبة قبل الهجرة، وتسميته المسجد الحرام.

هذا يعني أيضا أن القدس لم تحصل على مسجد حتى العام 637، أي بعد وفاة الرسول بخمس سنوات، ما يعني أن القول إن الرسول زار المسجد الأقصى في القدس لا يتوافق والتسلسل التاريخي، فالقدس في حياة رسول المسلمين كانت مدينة مسيحية بيزنطية، يصعب أن يكون فيها مسجدا يمكن للرسول الإسراء إليه.

ردود فعل القراء جاءت على أشكال، غالبها شتائم، واتهام بالدعاية للصهيونية، وتعيير باسم "عبدالحسين" "الشيعي الرافضي"، وعدد منها حاول، مشكورا، الانخراط في نقاش لدحض ما قدمناه.

الرد الأكثر تكرارا كان اعتبار أن في القدس مسجد سابق للإسراء، بناه ابراهيم، جد الإسرائيليين والعرب، والنبي لدى المسلمين. هذا التصور مبني على اعتبار أن ابراهيم كان يتحدث العربية، ومبني أيضا على اعتبار أن العربية هي "لغة البشر"، أو "لغة الجنة" حسب المسلمين. لكن عربية القرآن هي لغة حديثة نسبيا، ظهرت مع الإسلام، أو قبله بوقت قصير. حتى امرؤ القيس، الملك والشاعر الشهير، حجر قبره منقوش بالنبطية المتأخرة، وفيه أن "ملك العرب" توفي في العام 328 ميلادية. والأرجح أن العرب لم يتسمّوا عربا على اسم لغتهم، بل هم منحوا اللغة، التي بدأوا يتحدثونها في وقت لاحق للقرن الرابع الميلادي، اسمهم.

جواد علي، المؤرخ العراقي الراحل المعروف بموسوعته الضخمة "تاريخ العرب قبل الإسلام"، يرفض تصور العرب لتاريخ لغتهم، والذي ينص أن العرب تسموا كذلك لأن جدهم الأكبر، يعرب، كان أول من تحدث العربية، وهو تفسير غير قابل للتصديق، إذ يستحيل أن يبتكر شخص لغة بأكملها من مخيلته، وأن تتحول إلى لغة محكية، فاللغة هي تطور في التعبير والتواصل بين أفراد مجموعة بشرية كاملة، ولا تخرج من رأس أفراد على غفلة.

ابراهيم لم يتحدث العربية، والعرب بعد الإسلام صنفوا أنفسهم إلى ثلاث فئات، العرب البائدة والعرب العاربة والعرب المستعربة؛ ووضعوا اسماعيل، ابن ابراهيم، في خانة المستعربين، وقالوا إنه تعلم العربية، فصار مستعربا. ورسول المسلمين محمد هو من نسل اسماعيل، حسب الروايات. إذن الرسول هو من العرب المستعربة. وإذا كان اسماعيل هو الذي تعرب، لا يمكن للغة أبيه ابراهيم أن تكون العربية، ولا بد أن تكون شيئا آخر، ونحن إن صدقنا الروايات غير العربية، نستخلص أن ابراهيم تحدث الآرامية، أي أننا إن اعتبرنا أن ابراهيم شيد موقعا للعبادة في القدس، فالموقع لم يكن مسجدا، ولا الديانة الإبراهيمية كانت ناطقة بالعربية، حتى لو كانت توحيدية.

نقطة ثانية مرتبطة بإبراهيم تتعلق بهويته. ابراهيم هو جد العبرانيين، من أمهم سارة، وجد العرب، من أمهم هاجر، ومن هم من نسل هاجر يفترض أنهم تعربوا، إذن تعربوا من كونهم عبرانيين، وهو ما يعني أن ابراهيم نفسه كان عبرانيا من نسل عابر، وهو ما يعني أن النبي محمد نفسه كان من نسل عبراني، قبل أن يتعرب جده اسماعيل، وهو ما يعني أنه لو كان فعلا يوجد مكان عبادة وصله الرسول ليلة الإسراء، لكان مكانا عبرانيا سكانه ينطقون بالأرامية واليونانية، ولم يكن تحول إلى مسجد بعد، وربما كان موقعا مسيحيا يعج بالصلبان، وهو ما يمنع صلاة المسلمين ويبطلها.

هذه الأفكار مبنية على ربط بسيط للروايات الإسلامية العربية السائدة، مع تعريج بسيط على بعض العمل التاريخي المبني على نقش النمارة، أي قبر امرؤ القيس، والاستعانة بالتسلسل التاريخي لوضع آية الإسراء في سياقها.

المشكلة أن غالبية المسلمين اليوم تتصور تاريخها بشكل يعكس وضعها الحالي، المعادي لليهود، وتحاول تأكيده بنصوص دينية يمكن تأويلها بأشكال كثيرة، وهي عادة قديمة. المؤرخة اللبنانية ناديا الشيخ اصدرت بحثا قبل عقود حول الآية "غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون". وكلمتا غلبت وسيغلبون تعتمد على التحريك، الذي يحولها من فعل معلوم إلى مجهول، وبالعكس. ولأن التحريك عملية تلت تدوين القرآن بفترة، اختلفت القراءات بين المسلمين على مر العصور. وتظهر الشيخ أن طريقة تحريك المسلمين للكلمتين كانت تعكس علاقة المسلمين بالروم، فإن كانت طيبة، تشير الآية أن الروم سيفوزون، وفي الأزمان التي كانت علاقة المسلمين بالروم عدائية، قرأ المسلمون الآية بشكل يشي بأن الروم سينهزمون.

الحاضر غالبا ما ينعكس على تفسير التاريخ، حتى لو كان تفسير النص نفسه. ربما هذا هو سبب إصرار غالبية مسلمة اليوم على تفسير الآيات المتعلقة بالقدس، أو باليهود عموما، بشكل عدائي. ربما لو خرج مؤرخ قبل ثلاثة قرون، يوم كانت القدس تحت سيطرة عثمانية وتعيش على الهامش، وقال إن "المسجد الأقصى" في آية الإسراء لا بد أن يشير إلى موقع آخر، لكانت غالبية المسلمين تعاملت مع الأمر وكأنه تجديد في التفسير التاريخي وتباين في وجهات النظر التي تحتمل التأويل.

لا بد من فصل التاريخ عن الدين، وفصل الدين عن السياسة، فالتاريخ للتاريخ، والدين غذاء للروح، والسياسة سباق مصالح، فإن دخلت السياسة على التاريخ والدين، أفسدتهما، وان دخل التاريخ والدين على السياسة، أفسداها كذلك.

الحرة

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*