أحدث المقالات

السودان.. همودُ «تجربة إسلامية» أخرى

السودان.. همودُ «تجربة إسلامية» أخرى

رشيد الخيون:

 

تمكن الإسلاميون، الممثلون بـ «الإخوان المسلمين»، وما تفرع عنهم مِن تسميات، مِن الهيمنة في ظل جعفر النُّميري(انتهى نظامه 1985)، الذي أصدر قوانين تطبيق الشريعة (1983) بعد اقتراب حسن التُّرابي(ت2016)، مراقب «الإخوان» ثم زعيم «الجبهة الإسلامية القومية»، مِن الحُكم، وعُرفت حينها بقوانين «سبتمبر»، ووفقها أُعدم الشَّيخ محمود طه(1985)، وبعدها صعد نجم الحركة الإسلامية متوجاً بانقلاب(1989)، من قِبل الضباط الإسلاميين وفي مقدمتهم عمر البشير.
كانت الثَّورة الإيرانية حافزاً للإسلام السِّياسي، تلك التي فسرَ التُّرابي انتصارها بـ «العناية الإلهية»، وأخذ الإسلاميون، سُنَّة وشيعة، كلٌّ من موقعه يحاولون استنساخ نموذج الخميني(ت1989)، والتُّرابي لم يكن بعيداً عن تلك المحاولة. فما أن تسلم الخميني السُّلطة فكر محمد باقر الصَّدر(اُعدم 1980) أن يكون بهذا الموقع بالعراق، فالثَّورة، كما كانت القوى الإسلامية العراقية، تراها قاب قوسين أو أدنى، ونُقلت عنه مقولته «ذوبوا بالخميني...»، ووفق هذا تكون بغداد تحت سُلطة الخميني المباشرة.
مع حساب الطَّابع المذهبي، فالأمر يكون مختلفاً بالنّسبة للإسلاميين السُّنة، فهم لا يذوبون ولكنهم تبنوا الثَّورة على أنها انتصار لهم، فخفوا إلى قُمّ مهنئين، بل إن مُنظراً «إخوانياً» كويتياً، كتب حينها في الصحافة الكويتية تحت عنوان «اثخن فيهم يا خميني» تشجيعاً للإعدامات السَّافرة التي تلت الثَّورة، وهذا الإسلامي نفسه أيد حركة جهيمان العتيبي التي أفضت إلى احتلال الحرم المكي(1979)، وهي الأخرى جاءت بأجواء تلك الثَّورة، بمعنى لابد مِن خُميني سُني. هكذا كان الإسلاميون يتصرفون، ينظرون إلى دولة الخلافة تأتيهم مِن شباك مجلس الخميني.
ذكر السِّياسي الطَّيب التِّيجاني، في حوار مع مجلة «الوسط» التابعة لصحيفة الحياة، أنه كان يوم الانقلاب سجيناً، فلاحظ السجناء أن التُّرابي قد اعتقل مِن قِبل تلامذته الضباط الإسلاميين، فصاحوا: «أول مرة نرى قائد الانقلاب معتقلاً»! وهذا الاعتقال كان تمويهاً، وفق ماذكره الصادق المهدي، وهو رئيس الوزراء الذي أُنقلب عليه الإسلاميون(كتاب المسبار، الإسلاميون في السُّودان مِن التأسيس إلى الانفصال، بحث المهدي)، ودام اعتقاله نحو خمسة شهور، كي يعطوا انطباعاً أن الانقلاب لا علاقة له بجهة إسلامية.
كانت الفرصة مؤاتية للترابي أن يبدأ بأسلمة المجتمع، وفرض قوانين الشريعة، وتجميع القوى الإسلامية المتطرفة كافة بعد خروجها مِن أفغانستان، وذلك خلال العشر سنوات(1989-1999) التي أشرف بها على الحُكم، بما يشبه الولي الفقيه، ثم انشق جماعة الانقلاب بين العسكريين والمدنيين، بسبب تأثر مصلحة السُّودان مع دول الجوار، والدول الغربية، يوم صار السودان مقراً لأسامة بن لادن(قُتل2011)، بذريعة أنه دخل مستثمراً، حسب تبرير السُّلطة آنذاك، وكان التُّرابي يزوره في مقره، مبرراً ذلك بغرض حمايته (التُّرابي، تسجيل يوتيوب.(
لا يمكن عزل تجربة الثَّلاثين عاماً في السودان بمعزل عن تهاوي التَّجارب الإسلامية، فبعد مصر، وتونس، والفشل الذريع للأحزاب الدينية بالعراق، تواجه إيران محنة عسيرة، بعد أن أخذت تتحدث عن هيمنتها على أربع عواصم، بغرور الجذب الدِّيني المذهبي.
فكم يكون الدِّين سياسياً أداةً للجذب، لكنه لا يصمد مع الفشل، ومواجهة العصر، فثلاثون سنةٍ لم يجن السُّودانيون غير فرض قوانين الشريعة، ببلد معروف بثقافته وأدبه وصوفيته. بعد هجرة النُّخب الثقافية هروباً من فرض الحِجاب والجلد والوصم بالرِّدة عن الدِّين، ظهر جيل، أعمارهم في العشرينيات، يطالبون بأوضاع لم يعيشوها، مِن انفتاح ثقافي واجتماعي، لم تحجب عقولهم سياسة الإسلام السِّياسي طوال تلك الفترة.
غير أن ما يوجب ذكره أن التُّرابي نفسه أخذ يتغير، والبشير تغير أيضاً في سياساته، ولكن بعد خسارة الجنوب بسبب فرض الشَّريعة، على إقليم لا علاقة له بالشريعة، ولم يبق عنده ما يُرمم به التهديم لثلاثين عاماً.
إذا كانت الأحزاب الأيديولوجية غير الدِّينية تغتر بمسيرات الجماهير، وفي لحظة انقلبت عليها، فالأحزاب الإسلامية اغترت بالعاطفة الدِّينية، على أنها سبب تأبيدها في السُّلطة، مع حراسة نفسها بميليشيات والمقدسات، مِن دون إدراك أن لهذه العواطف حدوداً.
السؤال: الإسلاميون ماذا أنقذوا بتسمية انقلابهم بـ «الإنقاذ»، الذي وصف كاتب إسلامي مجلسه بـ «مجلس الصَّحابة الذي يحكم السُّودان»، غير الحروب، ومطاردة الشَّباب بالعقيدة الدِّينية، وصارت البلاد، خلال الوفاق بين الترابي وتلاميذه، «مركزاً لتدريب المجاهدين العرب» بعد أفغانستان، والترحيب بتنظيم إرهابي كالقاعدة(1991.(
استهان الإسلاميون بالنَّاس، فقدروا أن بالخطاب الدِّيني والأسلمة ودعاية البنوك اللاربوية والجمعيات الخيرية والمواكب الدِّينية، يستطيعون الهيمنة بعصا«إلهية»، وأن الفقر في الدُّنيا يبرره الغنى في الآخرة، لكن لسان حال النَّاس ينشد لأبي الحُسين الرَّشيد(قُتل563ه): «لا تغررنَّ بأطماري وقيمتها/فإنما هي أصدافٌ على دررِ/ولا تظن خفاء النَّجم مِن صغرٍ/فالذّنب في ذاك محمولٌ على البَصرِ)ابن خِلِّكان، وفيات الأعيان)»، وهذا ما حصل بالسُّودان، فلم يعد الدِّين يُخفض جناح النَّاس للإسلاميين، فتراهم تحولوا إلى تسميات تُزايد على الوطنية، بعد هُمودِ تجربة بالمزايدة على الدِّين، والجوهر واحد.

الاتحاد الاماراتية

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*