أحدث المقالات

الشرق الأوسط في زمن خاشقجي

الشرق الأوسط في زمن خاشقجي

حسن أوريد

لسوف يتمخض تاريخ منطقة الشرق الأوسط عن مرحلتين، مرحلة ما قبل اغتيال  جمال خاشقجي، والمرحلة التي تليها، أو ما بعد خاشقحي، مثلما أن تاريخ 11 سبتمبر/أيلول يؤشّر إلى مرحلتين فاصلتين.

كان تاريخ 11 سبتمبر أسوأ أزمة عرفتها السعودية في علاقاتها مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة، واستطاعت من خلال شبكة علاقات عامة وعمل استخباراتي مكثف في الحرب على الإرهاب، والاصطفاف إلى جانب أمريكا في حربها على أفغانستان والعراق، وجهد إعلامي ضخم ودبلوماسي، بل تربوي وثقافي، أن تتجاوز الأزمة، رغم أنها ظلت تُلقي بظلالها. وتأتي قضية خاشقجي لتعيد عقارب الساعة إلى حيث كانت، في ثاني أكبر أزمة تعرفها السعودية في علاقتها مع الغرب، فهل تستطيع السعودية أن تتجاوز آثار قضية خاشقجي؟

تسعى السعودية إلى تخفيف الأضرار، من خلال ما أقدمت عليه من اعتراف بمقتل جمال خاشقجي في قنصلية بلده بإسطنبول، وتتعهد بمعاقبة المجرمين، أي أنها تسعى إلى أن تحصرها في البعد الجنائي، ولكن هل تستطيع أن تدرأ آثارها السياسية العميقة؟

أول آثار القضية الجانبية، هو إضعاف “الأمير المصلح”، هذا الذي قال الصحافي توماس فريدمان في شأنه بأنه لو لم يكن لوجب خلقه، وراهن عليه أن يكون ديينغزاو بينغ (المصلح الصيني) لوضع متكلس كذلك الذي كان يعرفه الاتحاد السوفييتي. ومن الصعب الآن المراهنة، كما كان يُروِّج الإعلام الغربي الموالي على صورة شبيهة بدينغزاو بينغ. لن يبرأ محمد بن سلمان من آثار قضية خاشقجي. من تداعيات القضية كذلك، انتعاش التمرد النائم داخل الأسرة الحاكمة، حيث سبق أن توارت الشخصيات الوازنة والمؤثرة، وضمرت المؤسسات رغم التستر الذي يطبع هذا الجانب. ومن المحتمل العودة إلى نوع من “الشورى” الداخلية، عوض “الحكم المطلق” بلا حسيب ولا رقيب.

بدت عقب الإعلان رسميا عن مقتل جمال خاشقجي، إرادة لإعادة هيكلة أجهزة المخابرات السعودية، لكن المسألة لن تقتصر على إعادة هيكلة، بل تغيير أسلوب. ستعرف السعودية تغييرات عميقة في توجهاتها الدبلوماسية، وفي بناها الداخلية. كيف تستطيع عناصر منذ اليوم، أن تتحمل المسؤولية مع إمكانية التضحية بها؟ فقد يتم التضحية بأشخاص لامتصاص الغضب الدولي، ولكن آثار ذلك على البني الأمنية سيكون مدمرا. لم يعد من الممكن الاعتماد على أسلوب الترهيب والترغيب، لأن صورة السعودية مثلومة، على أكثر من صعيد، من خلال بشاعة الفعل، ومن خلال السعي للتستر عليه وإنكاره، ثم الإقرار به، وفق رواية متنازع بشأنها. بيد أن أكثر التداعيات الجانبية أثرا هي علاقة الغرب مع السعودية.. فمهما فعلت الولايات المتحدة ورئيسُها ترامب وبذَل من جهد في تلميع صورة السعودية وغسل يد حكامها من الحدث، فلن تسلم من آثارها الجانبية التي ستعلق بها. إلا أن التحول الكبير هو الذي سيمس قوى التغيير في العالم العربي. لقد استطاعت قوى المحافظة الالتفاف على التغيير من خلال الوسائل المالية الضخمة والشبكات الإعلامية، وساعد في ذلك مآل “الربيع العربي”.

كان لقاء أبريل/نيسان 2016 بالرياض الذي ضم إلى جانب دول مجلس تعاون الخليج المملكة الأردنية والمملكة المغربية، إعلانَ وفاة “الربيع العربي” ومناسبة لإلقاء المسؤولية على الولايات المتحدة ورئيسها السابق باراك أوباما. نعم استطاعت السعودية مع حلول ترامب في البيت الأبيض، من خلال صفقات ضخمة وحملات علاقات عامة باهظة، أن تعيد الأمور إلى “نصابها” في ما يخص العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، إلا أن قضية خاشقجي تقلب الموازين وتلقي ظلالها في العلاقات بين البلدين.

هناك إذن ما بعد خاشقجي، وهو الأمر الذي يلقي بالمسؤولية على عناصر التغيير في المنطقة برمتها، ذلك أن الظرف إن كان سانحا، فليس معناه أن يكون آليا. ينبغي أن نميز في رصدنا لما يعتمل في المنطقة بين زمنين، الزمن السياسي الذي قد تعتوره تعثرات وكَبَوات، والزمن التاريخي الذي هو تصاعدي، وينحو نحو المبادئ التي رفعتها الجماهير قبل ثماني سنوات، من الحرية والكرامة والعدالة والسيادة الشعبية وسيادة القانون. بيد أن هذا التحول الذي أفرزته الجماهير يحتاج إلى رعاية من قِبل النخب. وعمل النخب ينصرف إلى التفكير العميق والتعبئة وحفظ الذاكرة.

لا بد من الحفاظ على وهج حدث مؤلم، بل بشع، حتى لا يتوارى من الذاكرة ويُعتقد لاحقا إمكانية الاستهانة بالكرامة الإنسانية ودينامية المجتمعات. ولا بد كذلك من تعهد القيم التي أضحى يرمز لها الفقيد جمال خاشقجي وهي، حرية التعبير التي ذهب ضحية من أجلها. وحبذا لو تقام جائرة دولية باسم خاشقجي، تمنحها جريدة “الواشنطن بوست” التي اشتغل فيها الفقيد، أسوة بجائرة ساخروف، تُمنح سنويا لشخصية سياسية وفكرية أو أدبية، أسهمت في رفع راية الحرية، وناهضت أوضاعا متكلسة، وقوى أوليغارشية.

ليس هناك “الغرب والآخرون”، كما قال عراب صِدام الحضارات صمويل هنتنغتون، وإنما قيم كونية، ومن الضروري مد الجسور بين العالم الإسلامي والغرب لقطع الطريق على الذين  يؤججون الصراع، وقد يوظفون الوسائل المادية والماكينات الإعلامية. وقضية خاشقجي مناسبة لتصحيح الصورة وإرساء علاقات هادئة بين العالمين.

كاتب مغربي

القدس العربى

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*