أحدث المقالات

علاء الأسواني:.. قبل أن نلوم الديكتاتور..

علاء الأسواني:.. قبل أن نلوم الديكتاتور..

في مقاله لـ DWعربية يشرح علاء الأسواني العلاقة بين السلطة والشعب في مصر.

على مدى عشرين عاما كنت أنظم ندوة أسبوعية ثقافية انتقلت بها من مكان إلى مكان تفاديا لضغوط الأمن، حتى تولى السيسي الحكم فزادت الضغوط الأمنية إلى درجة أثرت على انتظام الندوة لكني كنت مصمما على الاستمرار. في ذلك الوقت الصعب استضاف الندوة صديقي المهندس ممدوح حمزه ثم صديقي الناشر محمد هاشم صاحب دار ميريت للنشر، وكان الشاب الثوري الشجاع محمد اكسجين يقوم بتصوير الندوة أسبوعيا ووضعها على يوتيوب. تعرض ممدوح حمزه لمضايقات أمنية وداهمت قوات الأمن دار ميريت أكثر من مرة، وتم القبض على بعض العاملين فيها وأخيرا قبضوا على محمد اكسجين ولازال معتقلا حتى الآن. مرة بعد أن انتهيت من الندوة اقترب مني رجل أربعيني وطلب محادثتي على انفراد ثم دار بيننا حوار بدأه بالسؤال التالي:

- حضرتك سمعت عن القانون الخدمة المدنية؟     

- نعم                                             

ــ ما رأيك فيه؟                                     

- أنا أعارضه                                           

- أنا موظف في هيئة حكومية وقانون الخدمة المدنية سيؤذيني جدا. لقد جئت لأعرف ماذا ستفعلون أنتم من أجل منع هذا القانون؟

- من تقصد بكلمة أنتم؟                                                      

- قصدي حضرتك والناس بتوع الثورة والمعارضة. لازم تعملوا حاجة ضد القانون

- اذا كان القانون سيؤذيك. لماذا لا تعترض عليه أنت بنفسك؟      

- البركة فيكم                                                          

- أعتقد ان المتضرر من القانون يجب أن يكون أول من يعترض عليه            

- يعنى عاوزني أعمل ايه؟                                     

- اجمع زملاءك واعملوا وقفة احتجاجية مثلا                      

- أنت عاوزني أروح السجن..؟                                   

هكذا قال الرجل وقد بدت على وجهه ابتسامة خائف. أنهيت اللقاء بهدوء وفكرت أن هذا الرجل لايهتم اطلاقا بكل المظالم التي يرتكبها نظام السيسي مادامت تحدث للآخرين، وحتى عندما أصابه الظلم لم يعترض بنفسه لأنه لا يريد أن يدفع ثمن أي موقف وانما جاء ليبحث عن ناس يعترضون بالنيابة عنه حتى يظل هو آمنا.. لا توجد لدينا احصائيات دقيقة عن المجتمع المصري لكنى أعتقد ان نموذج هذا الرجل يشكل قطاعا كبيرا من المصريين.

أعرف كاتبا شابا منحه نظام السيسي مساحة يكتب فيها في جريدة كبرى بالاضافة إلى برنامج تليفزيوني يقدمه في قناة تسيطر عليها المخابرات وهذا دليل رضا النظام عنه. على مدى أربعة أعوام من حكم السيسي لم يكتب هذا الكاتب أو ينطق بكلمة واحدة لادانة الانتهاكات الرهيبة التي يتعرض آلاف الأبرياء ولكن فقط عندما بدأ تطبيق قانون الضرائب العقارية وأدرك الكاتب انه سيدفع مبلغا كبيرا كضريبة على أملاكه، غضب بشدة وكتب مقالا ناريا ضد قانون الضرائب العقارية. أي أنه تحول إلى معارضة النظام خوفا على ماله فقط وليس دفاعا عن حقوق الناس.

اذا كان هناك فرق واحد بين المواطن المصري والمواطن الغربي فهو الاحساس بالمسؤولية العامة. المواطن الغربي يشعر انه مسؤول عن الدفاع عن حقوق الآخرين اذا تم انتهاكها من قبل السلطة حتى ولو لم يقع عليه ضرر مباشر. تأمل المظاهرات الحاشدة في المدن الغربية التي تخرج دفاعا عن حقوق المهاجرين ستجد ان نصف المتظاهرين على الأقل من المواطنين الأوروبيين.. كنت في نيويورك عندما قرر الرئيس ترامب حظر استقبال المسافرين من بعض الدول الاسلامية ورأيت المظاهرات الحاشدة التى خرجت تعارض قرار ترامب فوجدت متظاهرين كثيرين من الأمريكيين البيض. ما الذي يدفع مواطنا غربيا يتمتع بحقوقه كاملة إلى الدفاع عن حقوق مجموعة من الناس لا ينتمى إليها؟ الاجابة ان المواطن في أي بلد ديمقراطي يتعلم المسؤولية العامة منذ الصغر، انه يعتبر نفسه مسؤولا ليس فقط عن نفسه وانما عن المجتمع بأسره كما أنه لايخاف من قمع السلطة لأنها محكومة بالقانون بل على العكس السلطة هي التى تخاف من المواطن لأنه صاحب صوت انتخابي يستطيع أن يعزل أي مسؤول من منصبه تماما كما جاء به بالانتخاب.

أضف إلى ذلك أن المواطن في بلد ديمقراطي يدرك جيدا ان انتهاكات الحقوق اذا بدأت لن تتوقف عند مجموعة من الناس وانما ستمتد للجميع وبالتالي فانه عندما يدافع عن حقوق الآخرين انما يدافع عن نفسه لأن القمع الذى أصابهم اليوم سيصيبه حتما غدا. ان التدهور الذي أوصل مصر إلى الحضيض في كل المجالات كان نتيجة حتمية للديكتاتورية العسكرية التي سقطت فيها بلادنا منذ عام 1952 لكن الاستبداد لا يحدث بارادة الديكتاتور وحده. لا يستطيع فرد واحد أن يفرض سلطته بالاكراه على شعب كامل الا اذا سمح له الشعب بذلك. الديكتاتورية علاقة من طرفين: حاكم مستبد وشعب يقبل الاستبداد

ان السجون لا تتسع للملايين وأدوات القمع مهما تكن جبارة ستنكسر أمام ارادة الشعب اذا قرر مقاومة الاستبداد. لقد استطاع ملايين الثوار في يناير 2011 أن ينتصروا على نظام مبارك ويخلعوه من السلطة ويحاكموه. ان الشعوب الغربية لم تحصل على الديمقراطية كهدية وانما دفعت ثمنا باهظا من نضال وتضحيات انتهت بأن صار الشعب مصدر السلطات. مشكلة مصريين كثيرين انهم نشأوا في ظل القمع وتعلموا منذ الصغر أن الحكمة تقتضي أن يهتم كل انسان بعياله وأكل عيشه ولا يعبأ بالظلم اذا حدث للآخرين. قبل أن نلوم الديكتاتور على ظلمه يجب أن نلوم أنفسنا لأننا بصمتنا وخوفنا قد سمحنا له بانتهاك حقوقنا. عندما نقاوم الاستبداد وندافع عن حقوقنا بكل ما نمتلك من قوة، عندئذ فقط سنكون جديرين بالحرية.  

  الديمقراطية هي الحل 

دى دبليو

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*