أحدث المقالات

الدولة العربية ضحية الثقافة الدينية والقومية

الدولة العربية ضحية الثقافة الدينية والقومية

عمران سلمان:

 

مظاهر انعدام أو تآكل وجود الدولة في معظم أرجاء المنطقة الناطقة بالعربية من الأمور التي لا يمكن أن تخطئها العين. وباستثناء قلة قليلة من الدول التي لا تزال متماسكة، وإن بصعوبة شديدة، فإن حالة التفكك والتحلل تكاد تكون هي القاعدة.

وليس العجز عن تشكيل الحكومات أو عدم كفاءة الموجود منها، سوى مظهر واحد وإن لم يكن الوحيد، لكنه تعبير فاقع عن أن هذه المجتمعات أَميَلُ إلى العيش في ظروف ما قبل الدولة، حيث تسود الولاءات الدينية والقبلية والعرقية والمناطقية... الخ.

ويمكن أن نرى ذلك بوضوح في حالة ثلاث دول على الأقل هي ليبيا والعراق ولبنان. هذا لا يعني أن باقي الدول خالية تماما من ذلك، فالاختلاف هنا ربما هو في الدرجة وليس في النوع.

ومن المظاهر الأخرى لتحلل الدولة هو هذا التفلّت في الخطاب والسلوك العام. فمن السهل أن تجد مفتيا في دولة أو سلطنة ما يأخذ مثلا مكان وزارة الخارجية فيصرح بما يشاء في الشؤون الدولية، أو رجل دين يقرر كيف يمكن تشكيل حكومة في هذا البلد أو ذاك ويضع فيتو هنا وهناك، وميليشيات مسلحة وجماعات تسرح وتمرح من دون ضابط أو رادع. ومجتمعات هي كل يوم في شأن ومحامون لا عمل لهم سوى رفع الدعاوى ضد المخالفين و"مزدري الأديان"!

لقد فشلت عقود من تعليم مناهج التربية الوطنية في المدارس وفي ترديد النشيد الوطني والالتفاف حول العَلَمْ في خلق مواطنين ينتمون إلى دولة. فعند أقرب أزمة يعود كل شخص إلى الانتظام إما في صفوف دينه أو طائفته أو قبيلته أو منطقته.. الخ، وينسى تماما أن هناك دولة.

من باب الإنصاف ينبغي أن نشير إلى أن معظم الدول العربية لا يزيد عمرها عن مئة عام، وهي فترة قليلة نسبيا، ولا تتيح مجال كاف لخلق مؤسسات دولة راسخة.

لكن المشكلة ليست في الزمن فقط وإنما في الثقافة السائدة في المنطقة والتي هي معادية بالأساس لفكرة الدولة الوطنية. وأعني بذلك الثقافة الدينية والثقافة القومية. فكلاهما يدعوان إلى تجاوز الدولة والعمل ضدها إن لزم الأمر. أتباع الدين يتطلعون إلى إنشاء الخلافة الإسلامية وأتباع القومية يريدون دولة عربية واحدة. وقد عاشت أجيال عربية عديدة على وقع شعارات وأحلام وأوهام هاتين الأيديولوجيتين.

والقلة القليلة التي لم يجرفها التيار والتي ركزت على التعليم والعمل وبناء المؤسسات هي التي تعتبر اليوم في موقع أفضل إذا قيست بهذا الحطام المنتشر من المحيط إلى الخليج.

هذه القلة القليلة كانت على الدوام هدفا لسهام الإسلاميين والقوميين واليساريين فهي "تتهم" بالتعامل مع الدولة!! والعمالة للأجنبي وتبني أفكار التغريب والسير في ركاب المستعمرين وقائمة طويلة من التهم المعروفة.

أما أبرز الأحزاب والحركات والجماعات فقد راحت تزيف وعي الناس وتؤلبها، إما اقتناعا أو ابتزازا أو تضليلا، ضد الدولة وضد قيم الحداثة والعصر

الأمر الملفت أن الدول الأوروبية (مثل بريطانيا وفرنسا وإلى حد ما إيطاليا) التي انتدبت لإدارة المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة الدولة العثمانية، أي ما يعرف اليوم بسوريا والعراق ولبنان والأردن وإسرائيل والأراضي الفلسطينية (المناطق الثلاث الأخيرة كانت كلها تسمى فلسطين) وإلى حد ما مصر والسودان وليبيا، إضافة إلى معاهدات الحماية بين بريطانيا ودول الخليج (باستثناء السعودية) والجنوب العربي، هي التي ساعدت هذه المجتمعات على إنشاء أجهزة الدولة الحديثة من جيش وشرطة ومالية وتعليم وصحة.. الخ، في وقت لم تكن هذه الأمور معروفة على نطاق واسع في الشرق، وفي وقت لم تكن فيه الدولة العثمانية تسمح لهذه المجتمعات بأن تطور أية مؤسسات قد تمكنها في المستقبل من التعبير عن نفسها كدول قائمة بذاتها. وكانت هذه المناطق خاضعة تماما للتقسيمات الإدارية العثمانية مثل ولاية ولواء أو سنجق وقضاء وناحية.. الخ.

وعندما هزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ثم إعلان الرئيس التركي كمال أتاتورك عن إلغائها، كانت المناطق التي خرجت من تحت سيطرتها تعيش حالة يرثى لها من الضعف والفوضى والتخلف. وكانت النخبة في هذه المناطق مشغولة إما بكيفية إعادة الخلافة من جديد أو توحيد الأقطار العربية في دولة واحدة وتحت حكم ملك واحد. أما إنشاء دول قائمة كالتي نراها اليوم فلم يكن ذلك على جدول الأعمال، ولم يحدث إلا بعد انتهاء فترة الانتداب أو الاستعمار.

يبقى أن نقول بأن ما نشهده اليوم من ضعف وتفكك في الدولة العربية لم يكن قدرا محتوما، فثمة دول في العالم تشكلت في نفس الفترة تقريبا التي رأت فيها الدول العربية النور، كما هو الحال مع كوريا الجنوبية أو اليونان أو إسرائيل وغيرها، لكنها تمكنت من خلق مؤسساتها وتطورت اقتصاديا وسياسيا، في الوقت الذي فشلت فيه المجتمعات العربية.

والسؤال هو هل تملك هذه المجتمعات الجرأة للتساؤل عن السبب، من دون اللجوء إلى الأعذار والشماعات التقليدية المعروفة مثل الاستعمار والصهيونية والماسونية وما شابه؟ .

الحرة

Related

الفئة
الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟

شهد العام 2025 إصدارَ الحكومة الفرنسية تقريرًا مهمًا يتناول جذورَ جماعة الإخوان المسلمين العميقة المزعومة في ا...

الإسلام السياسي ـ إلى أي مدى تمثل جماعة الإخوان المسلمين بيئة خصبة للتطرف في سويسرا؟
الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات

يشغل حضور جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا موقعًا مثيرًا للجدل داخل المشهد الأوروبي، ليس فقط بسبب حجم الشبكا...

الإخوان المسلمون في ألمانيا ـ أبرز القيادات الحالية: شخصيات، أدوار، وشبكات
الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب

بدافع الوطنية والعدالة، يرفع بعض رجال الدين المسيحيين صوتهم دعمًا للقضية الفلسطينية. لكن ما يبدو موقفًا نبيلا...

الخطاب المسيحى المشوه ودوره في ترسيخ الإسلام السياسي في الغرب
مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد

يعيش المسيحيون في إيران أوضاعًا صعبة وسط تضييق أمني واضطهاد ديني ممنهج، يدفع الكثير منهم إلى الهروب أو العيش ف...

مسيحيو إيران بين المطاردة والرحيل: إيمان يزداد قوة رغم الاضطهاد
أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين

تقرير جديد يدق ناقوس الخطر في أوروبا، محذرًا من تزايد جرائم الكراهية ضد المسيحيين، مع تكرار الاعتداءات على ال...

أوروبا تواجه تصاعدًا مقلقًا في جرائم الكراهية ضد المسيحيين
الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك

تجمع ما يقارب 200 ألف شخص في ملعب بولاية أريزونا للمشاركة في مراسم تأبين الناشط الأميركي المحافظ تشارلي كيرك، ح...

الولايات المتحدة: آلاف المؤمنين يشاركون في تأبين الناشط المسيحي تشارلي كيرك
نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية

تشهد نيجيريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف ضد المسيحيين، حيث تتعرض الكنائس لهجمات متكررة ويُقتل العشرات يومي...

نيجيريا: تصاعد العنف ضد المسيحيين على يد جماعات متطرفة ومليشيات رعوية
دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2

الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية الكبرى على غرار الخوارج والسنة، كان لها نفوذ وتأثير ظاهر في التاريخ الديني وال...

دولة الشيعة الأولى (66ه-67ه): المختار الثقفي بين تقديس الشيعة وتدنيس السنة 1\2
أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل

أ ف ب : ارتفعت الحصيلة الإجمالية للوفيات خلال موسم الحجّ هذا العام إلى أكثر من ألف شخص غالبيّتهم مصريون وم...

أكثر من ألف وفاة خلال الحجّ والبحث عن المفقودين يتواصل
الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر

أ ف ب : يشهد نصف دول العالم تقريبًا تراجعًا في النظام الديموقراطي، وفق ما أظهر الخميس تقرير مرجعي حول الديمو...

الديموقراطيات حول العالم في تراجع مستمر
علامات البحث

اتصل بنا

*
*
*