أحدث المقالات

مجدي عبد الحميد يكتب: معظم النار من مستصغر الشرر

مجدي عبد الحميد يكتب: معظم النار من مستصغر الشرر

في الحقبة الناصرية، وتحديدًا سنة ١٩٦١صدر القانون رقم 103، بشأن إعادة تنظيم الأزهر الشريف والهيئات التي يشملها؛ حتى يتم إصلاح جذري شامل للأزهر، وهذا كما جاء في هدف القانون المعلن في ذلك الوقت وهو:

أن يبقى الأزهر أكبر جامعة إسلامية، وأقدم جامعة في الشرق الأوسط والغرب، وأن يظل الأزهر حصنًا للدين والعروبة، وأن يخرج علماء يجمعون بين علوم الدين وعلوم الدنيا كلها، وأن يتحقق قدر من المعرفة والخبرة وأن يتم منح جميع خريجى الأزهر شهادات فينص قانون تطوير الأزهر على أن:

''الأزهر هو الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته وتجليته ونشره وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب.

كما تهتم ببعث الحضارة العربية والتراث العلمي والفكري للأمة العربية.

وتخريج علماء عاملين متفقين في الدين يجمعون إلى الايمان بالله والثقة بالنفس وقوة الروح كفاية علمية وعملية ومهنية لتأكيد الصلة بين الدين والحياة ''

وبذلك أصبح الأزهر تابعًا لرئاسة الجمهورية، وشيخ الأزهر يرأس المجلس الأعلى للأزهر ويختار من بين هيئة مجمع البحوث الإسلامية، أو ممن تتوافر فيه شروط العضوية في الهيئة.

وبعيدًا عن الفكر التمييزي المتجذر وراء هذا القانون وضرب فكرة المدنية والحداثة في مقتل وإهدار قيمة المواطنة والمساواة الكاملة بين المواطنين بغض النظر عن الدين والعرق واللون والجنس والاصل الاجتماعي، حيث ينص القانون على أن التعليم الأزهري خاص بالمسلمين دون غيرهم من ديانات، كما ينص علي الفصل الجنسي بين البنات والبنين في جميع مراحل التعليم وذلك في وقت لم يكن ذلك الشرط مطبقًا في التعليم الجامعي علي الأقل، وأشياء أخرى كثيرة ليس مجالها الآن، وإن كنت ادعو جميع المهتمين بمتابعة عملية تطور التعليم الديني والتعليم الأزهري تحديدًا في مصر إلى المزيد من المتابعة للتعرف علي هول الكارثة التي نعيشها.

بعيدًا عن ذلك كله تعالوا نتوقف عند عدد من الملاحظات الهامة المترتبة علي ذلك القانون منذ صدوره حتي الآن:

- بدآ إنشاء المدارس الأزهرية، والتي يطلق عليها المعاهد الأزهرية، وانتشرت إلى أن أصبحت منظومة تعليم مستقلة تبدء من رياض الأطفال حتى نهاية جميع مراحل التعليم العليا، وتضم آلاف المعاهد المنتشرة في جميع قرى مصر ومحافظاتها الكبرى بكافة مدنها، ويلتحق بها عدة ملايين من التلميذات والتلاميذ.

- مرت عملية بناء منظومة التعليم الأزهري بعدة مراحل بدءً من افتتاح جامعة الأزهر والسماح لجميع حاملي الشهادات الثانوية سواء العامة أو الأزهرية بالالتحاق بها وفقًا لشروطها ولوائحها الداخلية، والتي تتضمن تدريس مواد دينية والأهم من ذلك تتضمن تنسيق داخلي خاص بها يميز بين الملتحقين بها من التعليم العام والتعليم الأزهري، وبينهم مجتمعين وبين الملتحقين بالجامعات التقليدية أي الغير دينية.

- أصبح التعليم الأزهري الجامعي فيما بعد ومع كثرة إعداد المعاهد الأزهرية مقصورًا علي حاملي شهادات الثانوية الأزهرية، وأصبح لجامعة الأزهر أفرع في جميع محافظات مصر تقريبًا.

- والأهم من ذلك كله هو التطورات التي لحقت بمؤسسة الأزهر علي مدى أكثر من نصف قرن، تلك التغيرات التي عكست نفسها علي التعليم الأزهري في مجمله وجعلت من تلك المؤسسة التعليمية مركزًا لإشعاع فكري سلفي متاثر بالوهابية السعودية، وأفكار أبو الأعلى المودودي صاحب نظرية الحاكمية لله بالإضافة إلى أفكار سيد قطب، وغيرهم من منظري تكفير المجتمع والتحريض علي استخدام العنف بكافة صوره وأشكاله لهداية الناس وحضهم علي العودة إلى صحيح الدين كما يرونه ويريدونه.

لقد أصبحت مؤسسة الأزهر ومنظومتها التعليمية واحدة من أكبر المؤسسات في مصر تأثيرًا علي حياة الناس اليومية، وعلى صانع القرار وامتد نفوذها إلى كافة مناحي الحياة الفكرية والثقافية والفنية والعلمية بل والسياسية وأصبحت المعاهد والجامعات الأزهرية واحدة من المعاقل الرئيسيّة للفكر السلفي التكفيري المعادي للأخر بكافة صوره وأشكاله، كما أصبحت المفرخة الأساسية لكوادر العنف والإرهاب ليس فقط علي المستوي المحلي، ولكن أيضًا علي المستويات الإقليمية والعالمية، وخاصة بعد أن تغلغلت مشايخ السلفية الجهادية في صفوف هيئات التدريس الأزهرية علي كل المستويات، وأثر ذلك علي شكل وطبيعة المواد الدينية التي يدرسها هؤلاء المشايخ لتلامذتهم منذ نعومة أظفارهم.

وأعود وأذكركم بأن ذلك كله بدأ بالقانون ١٠٣ لسنة ١٩٦١ إبان الحقبة الناصرية والذي تم الترويج له في ذلك الوقت علي أنه نهضة علمية وحضارية للعالم الإسلامي!.

لقد تذكرت تجربة الأزهر وأنا أرصد نشأة تجربة جديدة في طبعة أكثر انحطاطًا وهي تجربة أكشاك الفتوي بمحطات المترو، حيث أطلقت لخيالي العنان لأري مآل هذه التجربة بعد ٥ أو ١٠ أعوام من الأن:

- انتشار تدريجي لهذه الأكشاك والتسلل إلى المصالح الحكومية ومباني الوزارات والشركات و الجامعات والمدارس والاحياء وفِي القري وإلخ؛ لتشمل كل خرم إبرة في البلد.

- "التمأسس" حيث عمل كبير بذلك الحجم يحتاج بالضرورة أن يدار بشكل مؤسسي وربما يتحول تدريجيًا إلى هيئة كبيرة مستقلة، وربما يخلق لها كيان وزاري مستقل إذا دعت الضرورة لذلك.

- بطبيعة الحال فإن الوظائف والأهداف لن تستمر بسيطة كما هي الأن بل سيطرأ عليها العديد من التحويرات والمراجعات، وربما وهذا هو الأرجح سيُصبِح لها درجات متفاوتة من الإلزام، وربما سلطة توقيع العقاب علي غير الملتزمين يعني ممكن كده تلعب دور شبه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في دولة المملكة.

- طبعًا وكما جرت العادة في مثل هذه الأحوال سيتم استخدام متبادل بين السلطات الحاكمة، وبين ذلك الكيان وسنري العديد من الفتاوي التي تبرر سياسات تلك السلطات في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالحق أو بالباطل وباسم الدين ومرضاة وجه الله.

يعني باختصار ممكن النظر إلى هذه التجربة التي نسخر منها الآن باعتبارها مجرد مظهر من مظاهر البله أو الرجعية التافهة إلى أنها قد تكون خطوة جادة علي طريق التأسيس لدولة دينية بجد أو ربما يكون المستقبل حاجة كدة شبه البشير - الترابي في السودان الشقيق وساعتها نقول وداعًا للحداثة، ووداعًا للحرية والديموقراطية ووداعًا للدولة المدنية من أصله.

ولا ننسى جميعًا أن معظم النار من مستصغر الشرر.

 

الطريق

 

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث