هل يكره ماكرون الإسلام؟ ما الذي أزعج رجال الدين فعلًا في خطابه؟ - مقالات
أحدث المقالات

هل يكره ماكرون الإسلام؟ ما الذي أزعج رجال الدين فعلًا في خطابه؟

هل يكره ماكرون الإسلام؟ ما الذي أزعج رجال الدين فعلًا في خطابه؟

فيروز كراوية:

 

فيروز كراوية فنانة وكاتبة مصرية تدرس الدكتوراه في فرنسا. استمعت إلى خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخير من موقع فريد. حيث إنها عاصرت سيطرة التطرف الإسلامي على المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة في العصور الأخيرة. ورأت الخطاب السياسي الذي يتعامل معها. والآن ترى خطابًا سياسيًا مختلفًا في مجتمع مختلف. سجلت لـ دقائق الفقرات التي لفتت نظرها في الخطاب، وانطباعاتها عنها.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصارح شعبه بأنه لم يأت ليلقي خطابا يستعيد فيه التابوهات القديمة ولا يقدم التفسيرات السهلة عما يعرّض “الجمهورية” للخطر ويهدد العيش المشترك فيها. واختار أن يوجه نقده في البداية نحو “متطرفين آخرين”:

ذكرت مرارًا أن المشكلة ليست في العلمانية. العلمانية في الجمهورية الفرنسية هي حرية أن تؤمن أو لا تؤمن. إمكانية ممارسة معتقدك ما دام النظام العام مستقرا. العلمانية حيادية الدولة لا إخفاء الدين من المجتمع أو المجال العام. العلمانية الرباط الذي يحفظ وحدة فرنسا. لو كان المعتقد الروحي شأنًا يخص صاحبه، فالعلمانية شأن يخصنا جميعًا. لذلك، فالأبناء المخلصون للجمهورية لا يجب عليهم الاستسلام لهؤلاء الذين، باسم العلمانية، يسعون لخلق الانقسامات والمواجهات، من خلال إثارة موضوعات قد تمثل محور نقاشاتنا، لكنها لا تعبر عن جوهر المشكلة. لدينا قواعد لا بد من احترامها، بصرامة وبعدل. في كل مكان ودون أي تنازل. وعلى نفس المنوال، لن نسمح لأنفسنا بالانجرار للفخ الملغّم الذي يمده نحونا هؤلاء المجادلون المتطرفون، الذين يدأبون على وصم جميع المسلمينإيمانويل ماكرون

هذه الرؤية التي تسحب الصراع القديم داخل فرنسا من أرضيته الثقافية؛ أي الاختلاف الثقافي والديني، نحو أرضيته السياسية، هي أبرز ما قدمه ماكرون.. التأكيد على القيم الدستورية وشعارات الجمهورية كضمانة للحرية والمساواة على أرضها يعني أن كل من يدفع بالدعايات العنصرية، سواء من اليمين المتطرف الذي لقّبه الرئيس بـ “أعداء الجمهورية”، أو من الإسلاميين المتطرفين الذين ينحون على حد قوله نحو “انفصالية إسلامية”، كلاهما ينصب للمجتمع فخًا، كلاهما يكرس الانقسام داخله ويهدد وحدته. 

ببساطة ماكرون يتحدث عن مشروع الإسلام السياسي، الذي نعرفه جميعًا ونعيش صراعاتنا معه في بلادنا ذات الأغلبية المسلمة. المشروع الذي تسبب في قتل أعداد هائلة من المسلمين في بلادهم. أعداد لا تقارن بضحايا الهجمات الإرهابية في الغرب. المشروع الذي يشعل الحروب الطائفية والاضطهاد الديني في جميع الدول الناطقة بالعربية إلا قليلًا:

المشكلة هي تلك الإيديولوجية التي ترى قوانينها الخاصة أعلى من قوانين الجمهورية. قلت مرارًا أنني لا أطلب من أي مواطن أن يؤمن أو لا يؤمن، أن يؤمن قليلًا أو باعتدال، هذا ليس شأن الدولة. ولكني أطلب من كل مواطن، أيًا كان تدينه من عدمه، أن يحترم تمامًا كافة قوانين الجمهورية. الإسلام الراديكالي الذي نتناوله ونسمّيه باسمه، يحوي منظومة منهجية معلنة تخالف قوانين الجمهورية، وتخلق نظامًا موازيًا، يتغذى بقيم أخرى، تنشأ داخل مؤسسات اجتماعية هي بالأصل انفصالية، ولكن هدفها النهائي هو التحكم، التحكم الكامل. وهنا هي تأخذنا بالتدريج نحو قمع حرية التعبير وحرية الاعتقاد وحرية النقد. وهو ما يدفعنا بصورة خبيثة نحو مزيد من الراديكاليةإيمانويل ماكرون

ماكرون هنا يرسم الخريطة التي تتسع لمشروع جيوسياسي إسلامي قامت على دعمه أفكار ومناهج وأدبيات وكذلك سياسات محلية ودولية استدعت المكوّن الجهادي الراديكالي. لا ينفي إذن طبيعة التحول التي مسّت البلاد ذات الأغلبيات المسلمة، مثل تونس التي اختلف الوضع فيها عن ثلاثين سنة مضت، ومثل إحياء مشروعات الخلافة التوسعية خارج الحدود الوطنية. ويرى الأزمة داخل فرنسا غير منفصلة عن هذا التحول وانتشاره في العالم كله. يشير إلى التأثيرات الخارجية والمنظمات الممولة من الخارج والتي:

تركناها تعمل بحرية لدينا كما تعمل في الخارج. الوهابية والسلفية والإخوان المسلمين الذين نظر إليهم في البداية كأفكار حميدة، ثم انحطّت في التعبير عن نفسها، ونحت نحو مزيد من الراديكالية، لتحمل رسائل تقسيم المجتمعات، ومشروعًا سياسيًا يمول من الخارج، لا يعترف بمساواة المرأة والرجل، ولا الكرامة الإنسانية. يعمل على أرضنا ويدخل إلى قلبها بعدما تم إعداده وتلقينه من الخارجإيمانويل ماكرون

يضيف الرئيس بعض الإضاءات على الكيفية التي يعمل بها هذا المشروع على تقوية تلك النزعة الانفصالية داخل فرنسا. يذكر رقم خمسين ألف طالب يدرسون خارج المدارس داخل مراكز أنشأت بأموال الدعم الرسمي لأغراض ثقافية أو اجتماعية أو رياضية، لكنها تتحول لمراكز إعداد وتأهيل تزرع الأفكار المتطرفة. يذكر عدد من انضموا إلى داعش من الفرنسيين، وعدد المتسربين من التعليم الرسمي لأن أهلهم يرفضون مشاركتهم في أنشطة مثل السباحة أو حصص التاريخ. يذكر تجمعات سكانية تركت لتستقل بذاتها وتعيش في مناطق محرومة ثقافيًا وماديًا وتعليميًا من خدمات الدولة لتملأ جماعات إسلامية منظمة هذا الفراغ:

دعونا ننظر للأرض التي جرى عليها كل هذا. لقد خلقنا نحن أيضًا انفصاليتنا الخاصة. أحياؤنا التي تركناها لتتحول لجيتوهات. السياسات التي أطلقنا عليها بنية حسنة سياسات التوطين ولكنها ركّزت البؤس والمعاناة، وسكّنت الناس تبعا لأصولهم ومستواهم الاجتماعي. ركّزت الصعوبات التعليمية والاقتصادية في أحياء بعينها. لذلك لم ندفع نحو ما يكفي من الاختلاط والحراك التعليمي والاقتصادي. لم نف بوعد الجمهورية تجاه هؤلاء ما جعل الأفكار الراديكالية أكثر جاذبية لهم، مصدرا للأمل، يعطي بدائل للتعليم، لتعلم اللغة الأم، للعناية بالمسنين، لتقديم الخدمات التي تراجعت الدولة عن تقديمها.. عبر الإسلام الراديكالي ومؤسساته. لقد تأسس مشروعهم منهجيًا هنا أيضًا، على أنقاض تراجعنا وعدم كفاية سياساتنا للإدماج والحرب على العنصرية ومعاداة السامية والتي يغذي كل منها الآخرإيمانويل ماكرون

بصفتي مصرية، لم أقرأ هذا المقطع إلا كأنه سرد لما حدث في مصر عبر الأربعين سنة الماضية. رأيت تقسيم العمل الذي ترك لجماعة الإخوان والجماعات السلفية في مصر تولي شؤون المجتمع مقابل الابتعاد (المؤقت) عن شؤون الحكم. عشت توغلها في الجامعة والمدرسة ومعامل التحاليل الطبية ومراكز الكومبيوتر والجوامع والزوايا وتغسيل الموتى والنقابات المهنية والمستوصفات والجمعيات الخيرية ومؤسسات توزيع الزكاة في الريف وفي المدينة.

رأيت كيف يمكن إعادة تشكيل البنية المجتمعية لغويًا وفكريًا وسلوكيًا بالتأثير في كل نقطة مفصلية في الحياة اليومية. بدعم خطاب موازٍ يناقض كل معاني الحداثة ويفكك أطروحاتها بهدف نفيها وزرع الكراهية نحوها وتصويرها كعدو للدين وفساد للعقيدة.

رأيت كيف تبني الجسد السياسي بتجميع أجزائه الاجتماعية بدأب وتواصل. ليكتشف رويدا مدى قوته وتوغله وتأثير منطقه المضاد فينشط بعدها سياسيًا.

رأيت الدولة التي تتغاضى عن مراقبة التمويلات وتتبع الأفكار المتطرفة في الإعلام والقنوات الفضائية وشركات الإنتاج الفني والدرامي، وتقمع الأفكار والتيارات المضادة لها، وتغض الطرف عن التوسع الاقتصادي والاجتماعي في كل ركن داخلها، مقابل ملء فراغ انسحابها، وتبرعها لمشروع الإسلام السياسي بموقع البديل.

لكن ماكرون يمضي نحو أبعد من ذلك في مقاربته لخصوصية الأزمة الفرنسية.. الماضي الاستعماري:

يضاف إلى ذلك أننا بلد ذو ماضي استعماري لم تعالج صدماته بما يبقى ويرسخ في نفسيتنا الجمعية، في مشروعنا، وفي طريقتنا للنظر لأنفسنا. تحتل حرب الجزائر موقعًا منه، وفي العمق، ننظر لهذا الماضي بصورة مقلوبة، لأننا لم نستكشفه بأنفسنا. لذلك نرى اليوم بعض أطفال الجمهورية، أبناء لمواطنين جاؤوا كمهاجرين من المغرب وجنوب الصحراء الأفريقية يتعرفون إلى هويتهم عبر خطابات ما بعد الاستعمار أو خطابات مضادة للاستعمار. أطفال لم يعرفوا أبدًا الاستعمار، يعيش آباؤهم وأجدادهم على أرضنا منذ زمن طويل، يسقطون في الفخ، الذي نصبه آخرون وبشكل منهجي، استغلالًا لهذا الخطاب. وهذا النوع من كراهية الذات والجمهورية يغذي نفسه تلقائيًا، ولكن أيضًا على التابوهات التي نحافظ عليها. يقومون بعقد مناظرة بين أصولهم وتاريخنا مكرسين مرة أخرى تلك الانفصالية. كل هذه العناصر التي ذكرتها منفصلة تختلط معًا، وتغذي بعضها الآخر. وهذا المشروع السياسي، الذي أسميته الإسلام الانفصالي لأنه ينفصل حتى عن الدين بشكله الدقيق، لينطلق نحو مشروع ممنهج، يخلط كل هذه العوالم. ولكنها هناكإيمانويل ماكرون

هنا ربما تظهر فضيلة الحضارة الكبرى: القدرة على النقد الذاتي. مراجعة التجارب والتعلّم والانتقال.

سبق هذا الخطاب ثلاث سنوات من العمل البحثي والقانوني والإداري. تجارب على الكيفية السليمة لعزل هذه البؤر الراديكالية بعيدا عن وصم الأغلبية المسلمة “كاملة ومكتملة المواطنة” كما وصفها ماكرون.

إعداد مشروع يظهر في ديسمبر لتعديلات في قانون المؤسسات التي تتلقى دعما رسميًا من الدولة.

إحصاءات سنوية عن العنصرية ومعاداة السامية وكراهية الأجانب تبرز نسب الحوادث المتعلقة بها وفي أي المواقع وبأي صورة.

تتبع لمصادر التمويل والرؤوس المحركة والمركزية. إعداد مقترحات لدعم تعليم اللغة العربية في المدارس عبر آدابها وثقافتها المتنوعة، وفتح فصول الدراسات المختلفة عن الثقافة الإسلامية والعربية بتعدديتها. تكليف بإعداد الأئمة عبر منهج تنويري جديد تقوم على إعداده المؤسسات الإسلامية في فرنسا للتوقف عن الاستعانة بالأئمة من الخارج.

الرؤية تنبع من هذا المنهج المعقّد الذي تبناه ماكرون كشعار بسيط دال لحملته الانتخابية: في نفس الوقت. المقصود منه رفض التصنيفات الاختزالية للأفكار كأنها متضادة: العلمانية أو الإسلام، اليمين أو اليسار، أسباب خارجية أو أسباب داخلية، الحل أمني أو الحل سياسي اجتماعي، ليبرالية اقتصادية أو دولة رفاه اجتماعي، أزمة المهاجرين أو أزمة الاندماج.

السياسي الذي يجمع بين حب للفلسفة وخبرة بالاقتصاد ينظر دائمًا لإمكانية الجمع بين الرؤى المتضادة، واختيار أنجع الطرق من بين ما تقترحه، وتكوين البديل المناسب للحظة الزمنية واحتياجات المجتمع والبلد.

لذلك فقد نظر في عيون الحاضرين في ختام خطابه قائلًا: “آمل أن أكون قد خيّبت آمال من انتظروا حلولًا وتفسيرات كاريكاتورية سهلة وسخيفة”.

دقائق

 

Related

Share

Rating

4.67 ( 3 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث