دواعش الفن المصري - مقالات
أحدث المقالات

دواعش الفن المصري

دواعش الفن المصري

سامح عسكر:

 

في فترة السبعينات بمصر حدث تحوّل جوهري في المجتمع بعد الهجرة الريفية إلى المدن، وقتها بدأت مصر تتحول من دولة ريفية إلى حضرية بالضبط كما حدث مع الصين في الخمسينات والاتحاد السوفيتي في الستينات ، ودون الدخول في مقارنة هذا التحول بين مصر والصين والسوفييت لكن التحوّل المصري رافقه تحوّلا فكريا آخر لم يتوقف على هجرة الفلاحين لمناطق البرجوازيين والطبقة المتوسطة ولكن هاجر الفلاحون المصريون أيضا للخليج الذي تصدر بصفته موردا ماليا أعلى من دخل الفلاح في أرضه أو عمله في شركات ومصالح الرأسماليين في الحَضَر..

إنه تغير شامل بدأ يصيب مصر حيث نشأت بالتوازي قيم دينية خليجية مع قيم مادية رأسمالية علاوة على نقل عادات وتقاليد الريف للمدن في مرحلة لاحقة بدأت منذ الثمانينات حتى الألفية الجديدة، وهذا سر تغير المجتمع المصري من تقدميته الحضرية وإعلامه الراقي في الحقبتين الملكية والناصرية إلى رجعيته الفكرية وسيادة قيم الريف والخليج ومعتقداتهم المتشددة..

في هذه الفترة بدأت تنشأ طبقة تحمل كل معالم هذا التغيير في جانبين اثنين هما (المال والدين) فتم الربط بينهم وتفسير الثراء السعودي بتطبيق الشريعة وتعميم هذا التفسير شعبيا على المنابر مع بعض الآيات القرآنية كقوله تعالى " ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" [الأعراف : 96] ليتسق تماما مع دعاوى الإسلام هو الحل والرخاء الذي يَعمّ البشرية في حال العودة للخلافة والحكم الإسلامي، وقد تُرجمت هذه المعتقدات في الملابس والأزياء حتى انتشر النقاب والحجاب ليس بصفتهم أزياء عربية صحراوية ولكن بصفتهم أزياء تقدمية تجلب الرخاء والثراء للمجتمع بعد الربط السابق ذكره بين الشريعة والمال.

كانت ظاهرة الأسلمة والصحوة الإخوانية تجتاح المجتمع المصري وتبشر بنمط في الحكم غير تقليدي مختلف تماما عن الشائع وقتها والصراع "العبثي" بين الشيوعية والرأسمالية ، حتى الحكم الإسلامي كتعبير مرادف لهذه الأمور في الطبيعة ومختلف في المعنى، أي أن الإسلام كان يوضع في حقيقته كتطبيق سياسي وسطي بين متصارعين مما أكسب هذا المعنى قبولا شعبيا تحت وعاء "الوسطية" وهو وعاء جذاب لامع يخدع أنصاف المثقفين ما بالك بمن دونهم، كون التوسط بين قبيحين ليس منطقا عقليا سليما في كل أحواله من ناحية أن تسمية القبيح هي نسبية في جوهرها، فما هو قبيح عندك ليس قبيحا عندي، ومن ناحية أخرى أن التوسط قد يكون انحيازا أو حيادا سلبيا ليس بالضرورة أن يحمل معنىً إصلاحيا أو لديه فكرة واضحة كالتوسط بين داعش وخصومها مثلا، هنا ستضطر إما لقبول بعض مبادئ داعش أو بعض مبادئ خصومها مع الحفاظ على العلاقة النفسية بين الطرفين وهذا هو الحياد السلبي أو يعد بشكل آخر انحيازا بطريقة غير مباشرة لفساد التوسط بين القاتل وضحيته..

في نفس الفترة أيضا بدأ الترويج لأعمال دينية تاريخية تهدف في جوهرها لإحياء هذا الحكم الإسلامي والتبشير بالرخاء المرافق له، وعلى هذا كانت برامج كاريمان حمزة والشعراوي ومصطفى محمود وأحمد فراج وغيرهم، ثم انتقلت هذه الثقافة لقطاع الفنون بالتلفزيون حتى صنعوا عدة مسلسلات لأئمة الجهاد والحديث والفقه الحنبلي السائد في الخليج كابن تيمية وعمرو بن العاص وأصحاب الكتب الستة كالترمذي وابن ماجة والنسائي ..وغيرهم، مع تطعيمات فكرية لمقاومة روح الثورة القادم من إيران وقتها أذكر منها مقولة الفنان "أشرف عبدالغفور" للشعب في أحد المسلسلات "أيما تكونوا يولّ عليكم ، فأصلحوا من أنفسكم ولا تلقوا باللائمة على الحكام" وهو اتجاه أكاديمي حنبلي لم ينقطع منذ ولاء الإمام ابن حنبل للخليفة المتوكل العباسي وإحياءه على يد ابن تيمية وجماعة الوهابية حديثا في صورة (طاعة الحاكم)..

وعلى هذا كانت طبيعة الفن المصري طوال 40 عاما، فكل عمل ديني هو يكتسب أمرين اثنين "طاعة الحاكم" و "الدعوة للشريعة" كأنه صادر من مقدمة محذوفه يأمر فيها الشيوخ ورجال الدين حكام مصر والعرب بسرعة تطبيق الشريعة الإسلامية المفقودة والتي ستأتي بالخير والعدل والرخاء للجميع..

فبرغم أن هذه الطبيعة الفنية كانت في جوهرها خلافة داعش وتطبيقاتها الحديثة في سوريا والعراق لكن قدامى الفنانين لهم عذرهم الشخصي، حيث لم يكن متاحا وقتها التبصر بحقيقة تلك الطبيعة مع الزخم السياسي والمعرفي الأحادي الصادر من التلفزيون والمنابر ومؤسسات الدولة، أي لا يمكن وصف تلك الطبيعة بالداعشية وقتها ما دامت لا تدعو إلى العنف ..لكنها كانت تحمل فكرا متطرفا يستوجب المراجعة كما حذر منه الدكتور فرج فودة وسائر إصلاحيين تلك الحقبة كالدكتور خلف الله وفؤاد زكريا والقرآنيين والتأويليين والعلمانيين والفلاسفة..

أي لم يكن الحس الإصلاحي وقتها غائبا بل كان موجودا لكنه ضعيف الشوكة لم يصمد أمام الزخم والجبروت الشعبي والسياسي المرافق لتلك الطبيعة الدينية، وبعد مقتل فرج فودة زاد هذا الحس ضعفا وبدأت تختفي جماعات الإصلاح شيئا فشيئا حتى انعدمت تماما في بداية الألفية مع صعود الإخوان المسلمين برلمانيا في مجلس الشعب خلال دورتيّ 2000 و 2005 إلى هنا أصبح نشر الوهابية الجهادية والطائفية متاحا فتم إنشاء عشرات القنوات الفضائية السلفية التي تحمل طابعا عنصريا لتترجم كل ما سبق إنشاؤه والعمل فيه دينيا منذ الهجرة الريفية ليختلط العرف الشعبي الريفي بالتحفظ الديني في كتب التراث لينتشر النقاب جدا في تلك الحقبة منذ عام 2006 حتى أنه يمكن وضع تاريخ النقاب المصري بين مرحلتين ما قبل عام 2006 وما بعده..

كانت هيمنة هذا التشدد الداعشي بطيئا ومؤلما جدا حيث جار على حقوق مشاهير كالدكتور نصر حامد أبو زيد الذي حكمت المحكمة بردته وتطليقه من زوجته مما أجبره على الرحيل من مصر والوفاه بأوروبا، فالدكتور نصر لم يواجه رجال دين وشيوخ فقط بل كان في مواجهة غير متكافئة مع جهل ديني وعنصرية وتقليد شعبي وقيم ريفية محافظة غزت المجتمع المصري ولا زالت مؤثرة عليه إلى اليوم، إنما الذي كان يشفع للدكتور نصر وقتها هم بقايا البرجوازيين والطبقة المتوسطة الأرقى معرفيا بحيث شنت جهدا مخلصا ومقالات ونشاطا معرفيا موجها للدفاع عن الدكتور والتبصر بحقيقة ما جرى وخطورة ما تنتظره مصر إذا استمر الوضع على ما هو عليه

لكنه في المحصلة لم يكن دفاعا علميا دقيقا بل في جوهره كان ربطا ساذجا بين قوانين الحسبة وخطورة حكم الجماعة المحظورة، بحيث لم يفصل حينها العلاقة بين الاحتساب وحكم الإخوان علميا من نواحي التاريخ والفلسفة، أذكر كنت قارئا في تلك المرحلة الزمنية لمجلة روزاليوسف لم ألحظ وجود أي نقد ديني حقيقي لكنه كان رفضا سياسيا فقط للإخوان غير متعلق بالموقف من التراث الديني، أو محاكمة ما آل عليه الوضع بعد الرئيس السادات من انتشار الفكر الوهابي وسيطرة المتشددين على قطاعات الدولة والفن، وفي هذه الجزئية ربما هذه النخبة معذورة أيضا فهي كانت أضعف من التأثير في هذا الزخم الذي نقل مصر من التقدمية للرجعية، ولأن الطبقة الريفية المتنامية في الحضر وقعت تحت تأثير الخطاب الوهابي للدولة والإعلام فكأن روزاليوسف وكتابها ومثيلاتها كانوا في مواجهة مع الشعب في الحقيقة وليس فقط مع رجال الدين ومظلومية د نصر.

أذكر في تلك الفترة أن الشيخ والنائب "صلاح أبو إسماعيل" استجوب وزير الثقافة المصري "فاروق حسني" نهاية الثمانينات عن مقولته " بأن التطرف يجب أن نقاومه بإحلال الخيال المادي محل الخيال الغيبي" (الإخوان في البرلمان صـ 250) وهو يقصد أن يحل الواقع مكان المثال أو التجربة محل النظريات النسبية، لكن الشيخ أبو إسماعيل لم يفهم طرح الوزير فقدم استجوابا يتهم فيه السيد فاروق حسني بالكفر لأنه ينكر الغيبيات، وفي الحقيقة أن فاروق حسني لم يتطرق للإنكار ولكنه يتحدث بمنطق حداثي يؤمن بأن نطاق الغيبيات له سياقه العلمي الخاص في الإيمان حسب القاعدة الكانطية الشهيرة والتي وافقه عليها الشيخ رفاعة الطهطاوي في القرن 19، وأن مواجهة التطرف يجب أن تكون بإخضاع رؤى المتطرفين للتجربة ومناقشة مآلاتها العقلية والاجتماعية بالضبط كما كان يحدث من د فرج فودة حين أحرج الإسلاميين في وضعها بمقارنة لطيفة مع الواقع لإثبات زيف أفكارهم وانتمائها لعصر مختلف.

فلسفيا يمكن تفسير ما جرى أنه لم يكن فقط انتقالا معرفيا للأسوأ ولكنه كان انتقالا فنيا أيضا نتج عنه استبدال الذوق المصري بالخليجي فشاعت في مصر شرائط وخطب وقراءات سعودية وكويتية وقطرية مع احترامنا لتلك الشعوب، وهجر الناس قرآن الحصري والطبلاوي وعبدالباسط لقرءان مشاري والعجمي والسديسي والشريم والقحطاني، فالذي جرى كان تحولا أكسيولوجيا كبيرا أثر على القيم الجمالية والأدب الشعبي حتى صار الإعلام الوطني في عزلة شبه تامة عن ثقافة الشعب ليس فقط بوصفه صادرا من الدولة ومتحدثا باسم سلطة استبدادية غير ديمقراطية، ولكنه متحدثا باسم الأزهر وعلماء السلطة الذين حاربوا الشريعة لخدمة الحكام كما كانوا يوصفون دائما في أوساط الجماعات.

لكن الذي لم ينتقل هو الفلكلور الريفي المصري الذي احتفظ بطابعه الفني وكان حاضرا بزخمه المعتاد في الأفراح والحفلات، حتى مع محاولات الشيوخ تحريم كل ما يخص الهوية المصرية والعالمية من أعياد ..كشم النسيم وعيد الأم واحتفالات النيل لم ينجحوا في إقناع المصري بترك هذه الأمور وظل المصري البسيط يغني ويبتهج في موالد الأولياء وحفلات الزفاف وجلسات السمر وغيرها، كأن المصري في وعيه الباطن كان يدافع عن هوية عميقة لها امتداد منذ آلاف السنين لا تتعلق بأديان ونجح في عبور كل محطات التاريخ المؤلمة منذ دخول أول غازي آشوري مصر في الألف الأول ق.م حتى رحيل الإنجليز سنة 1956م

إنما تلك الهوية المصرية كانت تنشط بمعزل عن الموقف من الدين والفنون الصادرة من الدولة، أي لو كانت حكومة مبارك ديمقراطية أو لديها القدرة على خطاب الشعب ربما كان الوضع تغير نوعا ما في إقناع المصري البسيط بكل ما يصدر عن الحكومة والدولة من أفلام ومسرحيات وفنون..إلخ، فالمصري وقتها الذي كان عنصرا في الخطاب القيمي الريفي والوهابي كان ينظر لكل ما تمثله الدولة أو يصدر عنها بمنطق المؤامرة، فكل فيلم أو مسرحية تنتقد الشيوخ هي مؤامرة لصالح الفاسدين، حتى رجال الدين وقتها أكثروا من تفسير ما يحدث بأنه رفضا للقيود الدينية والامتثال لحكم الله في الشريعة، فتم الربط آليا بين سلوكيات الدولة والمشاهير وبين كفار قريش الذين حاربوا الرسول، وهذا هو المبعث السيكولوجي الشعبي لتكفير الفنانين واعتبارهم فساق مبتدعة في هذا الزمن..

وقد ساهمت تلك الثقافة في تسريع اعتزال الفنانين واستجابتهم لدعاة الإسلاميين في ترك الثقافة والفنون بالكلية، فالهدف لم يكن الفن المصري بمفرده ولكن استبداله بفنون أخرى كالتي شاعت في الأفراح الدينية باستعمال الدف والغناء بدون موسيقى مع تأثيرات صوتية وتكنولوجية خالية من آلات المعازف، وهي نفس الفنون الصحراوية التي يمكن عذرها بندرة آلات الموسيقى في البقاع المعزولة، وصعوبة صناعتها أو انعدام الخبرة بها علاوة على عزلة المجتمع الصحراوي التي أفقدته الإبداع اللازم للحن المتنوع والعميق واضطراره في غالب أحواله لنوع واحد من الفن واللحن المتناسب مع شخصية القبائل، إضافة لأن ذهنية الصحراويين فقيرة هندسيا بحيث لا تفلح في تكوين صور ذهنية دقيقة فتظل مقيدة بشكل بدائي من التفكير مختلف عن أصحاب المجتمع الزراعي الذي تتعدد فيه الصور الهندسية بكثرة وهو جواب يفسر لماذا كل فلاسفة البشرية تقريبا نشأوا في مجتمعات زراعية وأن النهضة الحضارية ظلت غائبة عن مجتمع الصحراء.

وفي السابق طرحت نفس الفكرة لتفسير كيفية لجوء مجتمع الصحراء للتدين العنيف كونه عاجز عن تصور نمط مختلف عن الأبيض والأسود كألوان تمثل طبيعة مجتمعه الفقير هندسيا، وأيضا لتفسير لجوء هذا النوع من التدين للظاهراتية الفكرية البعيدة عن التأويل، وقد ضربت أوضح نموذج لهذا التدين الظاهري في جماعة الوهابية التي جمعت بين التدين العنيف والظاهرية الفكرية بمعنى العجز التام عن التأويل أو تخيل معانٍ غير ظاهرة للنصوص حتى صار وصم خصومهم بالباطنيين شائعا كونهم لا يقدرون على تصور معانٍ غائبة عن النص الأصلي..بينما في القرآن مثلا نجد أن هذا التأويل الباطني مشروع ومطروح بكثرة وقد سلكه أئمة كثيرون كالغزالي والشهرستاني وابن حجر والسيوطي وابن كثير وسائر فقهاء الأشاعرة القدامى، حتى ابن تيمية في بعض أحواله كان باطنيا بالمعنى الذي يكرهه الصحراويون لسبق نشوء ابن تيمية في مجتمع حضري زراعي، لكنه ظل على تدينه العنيف الذي كان عبارة عن ردود أفعال ضد خصومه من كثرة مناظراته والضغط عليه عصبيا ونفسيا..

إن أسوء ما تم إنتاجه في عصر الصحوة الإخوانية من حيث التأثير السلبي والمعرفي على المجتمع هي الأعمال الفنية في تمجيد وتعظيم المحدثين وزعمائهم، ولو كانت هناك دراسة بصراع هؤلاء المحدثين مع أهل العقل والرأي لأفقد حماس هؤلاء الفنانين في تقديس هؤلاء الرواه وتصديرهم ليس فقط كعلماء ولكن كأنبياء لا يأتيهم الباطل، ويمكن وضع أعمال الفنانين حسن يوسف وأشرف عبدالغفور ومحمد رياض في تعظيم المحدثين والأصوليين تحت هذا الإطار فهم الذي أدوا شخصيات "النسائي – وابن ماجة – وابن تيمية- والترمذي – والبخاري وابن حزم – والغزالي..وغيرهم"

وفي الجزء الأول من هذا اللقاء استعرضنا أصل نشوء الأصولية والدعوة للشريعة وتحويل المجتمع دينيا للنمط الصحراوي الوهابي منذ السبعينات، وبالتالي ينطبق ذلك على أعمال الثمانينات لعزت العلايلي ويحيى شاهين في تعظيم مؤسسة الأزهر بمسلسل " الأزهر الشريف منارة الإسلام" سنة 1982 م وفقهاء ومؤرخين كالطبري ومالك والشافعي وقادة عسكريين عمرو بن العاص..وغيرهم، إضافة لأعمال المذكورين في تعظيم فقهاء الأزهر كالمراغي وعبدالحليم محمود والشعراوي الذين كانوا حكرا للفنان "حسن يوسف" في عرض سيرتهم الذاتية بمسلسلات كاملة ومنفصلة.

نلاحظ في هذه الحقبة غياب الشخصية المصرية وتاريخها عن الفنون الإذاعية والدرامية والسينمائية، فكل من تم ذكرهم إما غير مصريين في الغالب أو مصريين يحملون فكرا أصوليا نشأ بعد الهجرة الريفية إلى المدن التي سبق الإشارة إليها في الجزء الأول أنه انتقال من التدين المصري البسيط إلى التدين العنيف المتشدد، ومسلسل الشعراوي كان في هذا الإطار يجمع بين العرف التقليدي للريف والمحافظة الدينية للتراث حتى أن شخصية الشعراوي يمكن اعتبارها مجمع لكل القيم المحافظة والمتشددة في هذا العصر من ناحية تكفيرها للأقباط واحتقارها للمرأة وتشددها في الأزياء والصلاه والصوم وغيرها، مما يعني أن اتجاه الأسلمة كان طاغيا على الفن المصري آنذاك حتى أنه لم يخطر على بال المنتجين مثلا إبداع مسلسلات عن أعمدة الاستنارة المصرية كطه حسين ونجيب محفوظ وفرج فودة وروائيين كبار كيحيى حقي وعبدالقدوس ..وغيرهم

حتى مسلسل طه حسين الذي عقد أواخر السبعينات للفنان أحمد زكي قدمه كشخصية أزهرية وليس مفكرا شكوكيا يستعرض تاريخه في الفلسفة الديكارتية، بدليل القفز على حقبة العشرينات والثلاثينات في حياة العميد التي أنتج فيها معظم أعماله المستنيرة التي أصبحت لاحقا مصدرا للنقد الأدبي والعلمي للعرب، ويمكن اعتبار مسلسل طه حسين وقتها أنه تأثيرا سياسيا واجتماعيا كان يريد تقديم الأزهر كمؤسسة دينية مستنيرة تدعو للشريعة وتبشر بالرخاء المقبل مع شركات توظيف الأموال، نفس الشئ ينطبق على مسلسل رفاعة الطهطاوي في الثمانينات لشكري سرحان والذي قدم الشيخ رفاعة كشيخ أزهري مترجم وليس كمعلم مستنير ناقد للثقافة المحلية، ويلاحظ أن توقيت عرض المسلسلين كان مرافقا لنشاط هذه الشركات إضافة لقانون تطبيق الشريعة الأزهري الذي قدمه عبدالحليم محمود سنة 1978 ليوافق عليه البرلمان والرئيس ثم يؤدي لاحقا لفتنة طائفية دفعت البابا شنودة للاعتكاف..

وهذا القانون الأزهري كان يتضمن الدعوة إلى تطبيق ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي والمجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية، وهي نفسها كانت مصطلحات الجماعات التي أنتجت لاحقا شركات توظيف الأموال ومطالبة المسيحيين بدفع الجزية، وضمن هذا القانون كان التبرج محظورا بنص مادته رقم 14، أي نسخة من الثورة الإيرانية وفرض الحجاب، كما طالب في مادته رقم 6 الخاصة بالمحتسب بتشكيل جماعة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أي كانوا يريدون إحياء نفس النموذج السعودي في مصر ، كذلك المادة رقم 44 الخاصة بالإمام ووجوب طاعته والمادة 47 بمنع ترشح غير المسلمين لرئاسة الجمهورية، إضافة لفتوى دار الإفتاء المصرية عام 1978 بتطبيق حد الردة على مسلم تحول للمسيحية، وهي التي أشعلت غضب الكنيسة باعتبار هذا القانون يستبيح دماء المسيحيين بمجرد شهادة مسلمين على ردة أحدهم..

في هذا السياق يجري فهم مسلسلات تعظيم الأزهر في تلك الحقبة باعتبارها داعية إلى نفس المشروع الديني، خلافا للرؤية السطحية التي ترى الأزهر مثلا بعيون 2020 الذي يصدر فيها فتاوى ضد الجماعات لظروف سياسية ويضطر آسفا للتنازل عن فتوى وجوب الخلافة كفائيا عام 2011 ليفتي شيخ الأزهر بأنها نموذج حكم وليست فريضة بعد سقوط الإخوان في ثورة يونيو، أي أن الأزهر في سلوكه العام كان براجماتيا نفعيا أراد التقرب للسلطات خوفا من بطشها وإحياء آلام زعمائه في عصر الباشا محمد علي في القرن 19 م ومن ناحية أخرى بقاء المذهب السني وتفريعاته الأربعة لإرادة سياسية بعدم انتقال مصر للعلمانية أو التشيع كما يخاف الشيوخ وتدفعهم الهواجس يوميا للتحذير من خطر هؤلاء على مصر.

أما عن وضع أقباط مصر في هذه الحقبة كان محزنا ، فهم كانوا ضحية لمواجهة بين السلطة والجماعات لسبب واحد هو : أن السادات تبنى قاعدة (إسلام الدولة) مقابل (إسلام الجماعات) يعني بدلا من مشروع الشريعة للجماعات تقوم الحكومة بتطبيقها أولا لإرضاء التيار الإسلامي المطلوب دعمه في مواجهة الشيوعيين، وثانيا لنفي صفة الكفر عن السلطة في صراعها مع التنظيمات الجهادية أعقاب توقيع كامب ديفيد، وبالفعل أصدر قانون تطبيق الشريعة نهاية السبعينات ووافق عليه مجلس الشعب كما ذكرنا..ولولا انتفاضة الأقباط واعتزال البابا شنودة ما تم إلغاء القانون..

كانت من مظاهر قاعدة السادات برنامج الشعراوي الأسبوعي ممثلا لإسلام الدولة ، مقابل شرائط الشيخ كشك الممثلة لإسلام الجماعات شعبيا، وكلا الشيخين الشعراوي وكشك كانت لهم مواقف متشددة من الأقباط تحت سمع وبصر الدولة، فالشعراوي كان يُكفّر المسيحيين في خواطره الأسبوعية بشكل دوري وإسقاط بعض آيات الجهاد والجزية فيهم أحيانا، لدرجة أن سؤال: هل أنت مسلم أم مسيحي أصبح دارج شعبيا، برغم أنه حتى منتصف القرن 20 لم يكن وارد خصوصا في الإعلام ومؤسسات الدولة وهي الحقبة التي أشرنا إليها في الجزء الأول أنها ما قبل الهجرة الريفية إلى المدن وسفر المصريين إلى الخليج..

تطبيق الشريعة الساداتية كان يلزمه تعطيل المجلس المِلّي المسيحي وبالفعل تعطل المجلس جزئيا تمهيدا لفرض الشريعة الإسلامية على الأقباط، هنا أصبحت مطالب المسيحيين بالمساواه مع المسلمين متأخرة عن ضرورة حمايتهم من السادات وجماعاته التي أطلقها لمواجهة الشيوعيين، وبنظام عدو عدوي صديقي ظهر أن حكومة السادات تعاملت مع الأقباط كحلفاء للشيوعيين ضده وهو الذي ساهم في إشعال الأزمة الطائفية في مصر بعد سكونها مؤقتا في فترة عبدالناصر، علما بأن مطالب المسيحيين في مصر تتلخص في خمسة مطالب هي (حرية بناء الكنائس – الأحوال الشخصية – الدعوة والتبشير أسوة بالمسلمين – الوظائف العامة – اعتراف الدولة بهم في التعليم والإعلام) لكن هذه المطالب لا يمكن تحقيقها في ظل وجود المادة الثانية في الدستور..لذلك طالب الحقوقيين بإلغائها كحل وحيد لحل المشكلة القبطية، وبعد مجئ الإخوان واختراعهم للمادة 7 بتمكين الأزهر أصبح دستور مصر إسلامي متعارض مع مواد الحريات..وهذا يعني أن المطلب القديم بإلغاء المادة الثانية أضيف له إلغاء المادة 7 واعتبار مؤسسات الدين كيانات دعوية خدمية للمجتمع لا تضمن في الدستور.

مشاكل الأقباط كثيرة لكن هي الآن في مرحلة سكون عن مناقشتها دون علاجا حقيقيا يحمي المصري المسيحي من تغول الدولة ومن المتطرفين المسلمين، وقد تحدثت مع بعض الأصدقاء المسيحيين الذين قالوا: بأن الدولة استولت على أوقاف المسيحيين وضمت بعضها لأوقاف المسلمين في زمن السادات ومبارك، علاوة على مطالبتهم بتضمين حصة من الموازنة العامة للمعاهد والمدارس القبطية أسوة بالأزهر والأوقاف..وهي مطالب مشروعة كنت أود حلها في البرلمان الحالي ولو تتذكروا قلت أن فرصة إصلاح وضع الأقباط في مصر الآن لن تُعوّض بدخول العشرات منهم في البرلمان..لكن تبين أن الذين دخلوا كانوا ضعفاء وأقل من تحقيق حلم الأقباط بالعدالة.

نعود لمسلسلات المحدثين في الفن المصري فهي لم ترفع شأن هؤلاء الشخوص فحسب بل رفعت من قيمة النقل على العقل حتى صار استخدام العقل في مصر منذ 40 عاما وإلى الآن مستقبحا، وصار من الدارج أن يتهم العوام كل من يعمل عقله في النصوص أن يُتهم بالبدعية والرد الساذج الشهير بأنه لو كان الدين بالعقل لأصبح مسح أسفل الخف أولى من أعلاه، وهو قول ساذج منسوب للإمام "عليّ بن أبي طالب" ظهر في فترة الصراع بين أهل الرأي وأهل الحديث بعد موت الرسول ب 200 عام..إذ لم يعرف الصحابة أصلا هذا الصراع بين العقل والنقل لقربهم من زمن الرسول وسهولة الحصول على المعلومة والشرح وحرية التفكير في النص كما شاع في سلوك الصحابي "عمر بن الخطاب" الذي أوقف العمل بالعديد من الآيات اجتهادا..

والعلم كذلك ضد هذه المسلسلات، ففي علم النفس ما يسمى بالذاكرة الكاذبة False Memories وتعني أن الإنسان يتوهم أحداث حقيقة له بمقدمات وتفاصيل محكمة رغم أن هذه الأحداث في حقيقتها أو جزء منها (وهمي) لكن الذهن يعتقد بصوابها كأنها شريط فيديو، وبالتالي وجود هذه الذاكرة يدحض كليا ما يسمى علم الحديث الذي قام في أساسه على قوة الذاكرة للمُحدّث فرضا بصدقيته ونزاهته من التأليف، وعلى فرض أنه ينقل رأي الشاهد والسامع لعدة أجيال متصلة وهذا مستحيل..

ال False Memories هنا تطعن في هذه الذاكرة وتجعلها عرضة للوهم واعتقاد أحداث وخيالات لا صلة لها بالواقع، والتجربة شهدت تأليف أحداث وشخصيات وهمية كثيرة في التراث دفعت المحدثين لاختراع ما يسمى "علم الرجال" أو التسليم بأن خبر الآحاد كله ظني الثبوت لاعتقادهم بأن الشرط الوحيد لصدق تواتر الخبر هو نقله عن جمع غير معلوم العدد، ناهيك عن انهيار هذه الذاكرة بشكل عنيف عند كبار السن، والسادة المحدثين ظلوا يعملون في هذه المهنة حتى بلوغهم العَجَز ، وبالتالي فاحتمال انهيار ذاكرتهم وتوهمهم أحداثا زائفة كبير لم ينتبه له الأوائل لجهلهم أول شئ بالفلسفة وعلوم النفس..ثانيا لضعف التواصل الاجتماعي بشكل يضعف فيه من عمليات التحقق.

علاوة على التجربة الشهيرة المعروضة على وسائل الإنترنت بجمع صف طويل من الشباب الذين أخذوا تعليماتهم بنقل (الإشارة اليدوية) من أول الصف إلى منتهاه، ثم تأتي الإشارة من الخلف بينما عيونهم للإمام كي يجهلوها..بالضبط كطبيعة السند في الطبقات ، الأول يعرف الثاني، والثاني يعرف الثالث، بينما الثالث لا يعرف الأول، وعندما وصلت الإشارة لآخر الصف (تغيرت) الإشارة اليدوية تماما، وهذا يثبت أن صحة السند لا تكفي لصدق الرواية، فكل واحد ينقل حسب طبيعته وإمكانياته المختلفة عن الآخرين..هذا بافتراض (حُسن النية) وحدوث التواصل الجسدي بين الرواه.

تخيل أن هذه الإشارة تغيرت مع (صدق كل واحد فيهم) فماذا يحدث لو تعمد أحدهم الكذب؟؟!..والتجربة تقول بوضوح: لا تصدق كل ما يقال لك..تحرى بنفسك من الأخبار والمعلومات، شغل عقلك.. لأن صدق الناس لا يكفي لإثبات الحقائق، والعلم لا يكون بالنوايا، والنتيجة المباشرة لتعظيم المحدثين في الفن علاوة على فضائيات السلفيين كانت أولا: نشر الغباء بإنكار التجربة السالف ذكرها، وثانيا: نشر الجهل بترديد أكاذيب وأوهام القدماء على أنها حقائق، وثالثا: إحياء التراث بحذافيره والاعتقاد بضرورة تطبيق أي رواية صحيحة السند أو صح سندها عند بعض المحدثين كما تفعل داعش والقاعدة أحيانا بعرض أدلتها الفقهية عقب بعض العمليات..

الحوار المتمدن

 

 

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث