الشيخ أحمد الطيب يغازل الفكر الشعبي - مقالات
أحدث المقالات

الشيخ أحمد الطيب يغازل الفكر الشعبي

الشيخ أحمد الطيب يغازل الفكر الشعبي

مي سعيد:

 

هل كان مؤتمر الأزهر مؤتمرًا لتجديد الخطاب الديني أم لمغازلة الفكر الشعبي لدحض كل مجهودات المجددين والتخلص من المنطق والأسئلة التي تراود العامة؟

 

معاركنا الصغيرة والكبيرة ومجهودات السابقين والمجددين وضحايا المذهبية والطائفية والتشدد؛ كل هذا بدا كأنه لا يهم شيخ الأزهر الشريف بأية حال من الأحوال، في سبيل مغازلة الفكر الشعبي والاستقواء به في مواجهة تيار الإصلاح والتغيير، وكأن شيخ الأزهر يعلن بلا أية مواربة عن عدائه الكامن لتجديد الخطاب الديني في مؤتمر يدَّعي أنه يهدف إلى هذا التغيير، بينما في واقع الأمر هو مجرد أداة تخدم هؤلاء المغالين والمتجاوزين في حقوق الدول والأوطان وحقوق أنفسهم باسم الدين.

في الوقت الذي يعاني فيه مجتمعنا التعطش المفرط إلى التجديد والتغيير يلقي شيخ الأزهر بشربة ماء على الأرض، رافضًا أن يسقيها لتراث هذا الدين الذي هلهله المتنطعون بالدين والتاريخ طوال عصوره؛ ليبدل الظلام بالظلام. فتشدق الشيخ أحمد بالكلمات التي تُميل قلوب الناس إليه دون أى معنى حقيقي أو مضمون واضح أو أية فائدة تُرجى، فتكلم بأقصى حلقه بدلالات لفظية لا تحمل أي احتمالات عقلية مواكبة للقرن الواحد والعشرين، تكلم وكأنه يتكلم من القرن الثامن على أكثر تقدير، فصفَّق له الغارقون في غياهب الزمن المتلذذون بما كبروا عليه؛ ظنًّا منهم أنه المجد والخير والقوة على طريقة "هذا ما وجدنا عليه آباءنا"، فافتتح كلامه ردًّا على الدكتور الخشت، متحدثًا عن الخلاف حول مَن يقيم المسائل الدينية على أحاديث الآحاد أو الأحاديث المتواترة، مهملًا المعنى والمتن.

فبغض النظر عن التواتر والسند والرواة الذين عاصر بعضهم بعضًا؛ كل هذا لا يخرج من كون الأحاديث عبارة عن روايات شفهية بشرية لا ينبغي أن ننتبه فيها فقط إلى تواترالسند أو انقطاعه ونهمل معناه ومتنه الذي قد يأخذنا بعيدًا عن معاني القرآن ومفردات السلام والتعايش وقبول الآخر واحترامه واحترام معتقداته وقيمه.

ثم استطرد فضيلته واصفًا التراث بأنه قد مكَّن مجموعة من القبائل في ظرف ثمانين عامًا بأن يضعوا قدمًا في الأندلس وأخرى في الصين.

وهنا لي وقفة، ولابد أن تكون لنا جميعًا وقفة؛ فلو كان هذا النوع من التغزل في التراث ودمويته وما نتج عن الحروب من تمكين للمسلمين من الأندلس إلى الصين، فأظن أن مثل هذا التراث ينبغي لنا أن نعتذر عنه لا أن نتشدق به ونعده مجدًا، وإلا فلنلتحق جميعًا بـ"داعش" يا فضيلة الإمام، فهذا هو مشروع "داعش"، وقد اختصرته في جملة واحدة "قدم في الأندلس وأخرى في الصين"، ولا أظنه يختلف كثيرًا عن المشروع الصهيوني "قدم في الفرات وأخرى في النيل".

ثم تابع فضيلته بأن العالم الإسلامي ما قبل الحملة الفرنسية كان مسيرًا بقوانين التراث والشريعة، واستشهد بقوة الدولة الأموية والعباسية والفتوحات التي حملها الترات، فأضاف لهم قوة على قوة. وهنا لا يمكنني أن أتصور أن شيخ الأزهر الشريف ما زال يفكر بهذه الطريقة؛ فإما أن فضيلته يحتاج إلى الرجوع مرة أخرى لمراجعة جرائم الدولة العباسية والدولة الأموية والدولة العثمانية، والتي لا أظن أنه جاهل بها وإنما أظن أنه يستغل عدم دراية العامة بتفاصيلها واعتبارها مجدًا؛ فقرر مغازلة المشاعر الشعبية كطريقة تقليدية جدًّا، لمحاربة التطور والتجديد والإصلاح دون الإفصاح عن ذلك؛ وكأنها حرب بالوكالة، فقد أوكل فضيلته مشاعر الفكر الشعبي عنه في رفض أي تجديد وتغيير يرفضه فضيلته في قرارة نفسه ولا يقوى على مواجهته بشكل مباشر؛ ربما خوفًا من انفراط العقد وتسيُّد ثقافة التساؤل والتحليل والتفنيد والمنطق التي قد تطول كثيرًا وكثيرًا من مناهج الأزهر وعقول دارسيه، وفي الوقت ذاته ناقض فضيلته نفسه عندما تبرَّأ من الحروب الدينية بقوله إن كل الأديان أقامت حروبًا باسمها؛ ليس فقط الإسلام، وكأن هذا يبرِّئ الحروب والخلافات الإسلامية، ونسي فضيلته أن كل مَن قام بحروب باسم الدين والإله من غير المسلمين قد أجبرته حركات الإصلاح والحداثة التي ينكرها فضيلته على الاعتذار والعودة إلى دور العبادة فقط، في حين أن فضيلته يظن أن الحداثة هي استخدام الشوكة والسكينة وركوب السيارات ومواكبة التطور، فكأنه يشير إلى أن حداثة العقل لا تهم، ما دمنا نركب السيارات ونستخدم الشوكة والسكينة يكفينا هذا من الحداثة، ولا تقربوا التراث، ولن نعتذر عن أقدامنا الملطخة بالدماء تلك التي غرسناها في الأندلس وفي الصين؛ بل سنتباهى بها من فوق منابر المؤتمرات.

هذا المفهوم الرمادي عن الحداثة الذي طرحه فضيلته هو عين التلبيس؛ فعندما قال إن مفهوم تجديد الخطاب الديني ملتبس كان مفهوم فضيلته عن الحداثة هو الملتبس تمامًا مثلما التبس لدى فضيلته كثير من المفاهيم في أثناء مداخلته.. أصر فضيلته طوال المداخلة على أن يصور حركات الإصلاح والمصلحين كما لو أنهم يحاربون الدين، وهو يعلم أن المصلحين لا يحاربون إلا الفاسد من التراث؛ لحماية الدين، بينما مناهج الأزهر تخفي الفاسد من التراث وتدافع عنه على حساب الدين؛ فأي الفريقَين يضر الدين يا فضيلة الإمام يا ترى؟!

لن يفيد الاستعلاء ورفض الاعتراف بالفاسد من التراث؛ لأن التغيير قادم لا محالة.. كل ما هنالك أن هذا التأخير والتعطيل لحركة الإصلاح سيزيد الأمر سوءًا وسيزيد أعداد المتشددين والمتنطعين وحاملي العقول الناسفة؛ أمثال قتلة النائب العام السابق هشام بركات، وزعيم بوكوحرام، والشيخ عمر عبد الرحمن الزعيم الروحي لجماعات الجهاد، ومحمد سالم رحال الأردني، ومحمد أحمد علي مفتي تنظيم ما يُعرف بولاية سيناء، وأبي ربيعة المصري الذي تزعم أحد أجنحة تنظيم القاعدة وكان نائبًا لأبي مصعب الزرقاوي، وعبد الله عزام رائد الجهاد الأفغاني، ومولوي قاسم أحد كوادر حركة طالبان ورئيس تشريفات الملا عمر، والذي سمَّى نفسه الشيخ عبد الرحمن، وطعن عددًا من السائحات في الغردقة قبل سنوات، وأمثال مَن يحرمون تهنئة المسيحيين بعيدهم ممن تخرجوا من أزهركم الشريف الذين خرجوا على فضيلتكم بالتجاوزعلى صفحة الأزهر الشريف عندما هنَّأت بابا الفاتيكان بعيد الميلاد المجيد.. وغيرهم كثيرون، وستظل الأعداد في تزايد ما دام الأزهر يُقيم مؤتمرات للاستعلاء والاستقواء بالعامة ودفن الرؤوس في الرمال.. لنا الله.

المقال

 

 

 

 

 

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث