حين يصبح سلفيو السعودية أكثر انفتاحًا من سلفيي مصر - مقالات
أحدث المقالات

حين يصبح سلفيو السعودية أكثر انفتاحًا من سلفيي مصر

حين يصبح سلفيو السعودية أكثر انفتاحًا من سلفيي مصر

عصام الزهيري:

 

لماذا نجحت إصلاحات ابن سلمان الدينية وفشلت محاولات سابقيه؟

سعى كثيرون من داخل الأسرة الحاكمة السعودية وخارجها، خلال مراحل سابقة، لمحاولة تحديث الأنظمة التقليدية داخل الدولة السعودية وتعديل بعض تحالفاتها، وذلك بإحداث تغييرات دينية واجتماعية فى بنية مجتمع المملكة المحافظ، غير أن كل المحاولات كانت تفشل بسبب قوة التيار الديني المتشدد في السعودية، وكذلك –جزئيًّا- بفضل قوة شبكة من الامتدادات والأذرع الداعمة التي صنعها هذا التيار لنفسه خارج المملكة في شكل هيئات وجماعات وجمعيات سلفية انتشرت ونشرت تشددها في بلدان العالم. إلا أنه ومنذ استلام ولي العهد محمد بن سلمان، زمام السلطة والحكم ونجاحه في الانفراد بتصريف الأمور، جرى تنفيذ كثير من هذه التغييرات الثورية، وهى تغييرات لم يكن يتصور أحد أن تمر بمثل هذه السهولة، وفي مثل هذا النطاق الزمني المحدود، بحيث يمكن أن تصدُق على إجراءات ولي العهد السعودى مقولة إنه يقوم بحرق المراحل.

فبين ليلة وضحاها سُمح بإقامة الحفلات الموسيقية وأُنشئت السينمات والمسارح المختلطة وحلبة للديسكو، وأصبح يحق للمرأة السعودية قيادة السيارة، ويحق لها دخول ملاعب الرياضة وممارستها، وجرى إنشاء هيئة للترفيه والسياحة تستهدف إقامة 50 ألف فعالية فنية وثقافية حتى عام 2030، كما أنشئ مركز عالمي لمكافحة الفكر المتطرف أطلق عليه (اعتدال)، بالإضافة إلى سياسات إعلامية متقدمة ومشروعات لتنقية كتب الحديث ونشر كتب دراسية جديدة وتعديل المناهج الدينية القديمة. وكل ذلك فى مقابل نزع صلاحيات مؤسسة الحسبة الرهيبة المعروفة بـ«هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» وتقليص هيمنتها التى ظلت خلال عقود سلفت هيمنة غير محدودة على المجتمع السعودي.

بخصوص هذه الشبكة الممتدة من التنظيمات والرموز السلفية التي استفادت من دعم المملكة لها في أنحاء العالم -ويهمنا هنا قراءة موقف رموزها في مصر من الإصلاحات السعودية الداخلية- أجاب ولي العهد السعودى عن سؤال لجريدة «الواشنطن بوست» الأمريكية، مبررًا فيه وجودها بقوله: «إن انتشار المدارس والمساجد فى خارج السعودية قد تعمق بتأثير الحرب الباردة عندما طلب الحلفاء من السعودية استخدام مواردها لمنع دخول الأقطار الإسلامية تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي». والمفهوم من عبارة ابن سلمان أن الهدف الدعائي والأيديولوجي الذي اهتمت سياسات المملكة باستخدام التشدد السلفي والوهابي لتحقيقه في وقت سابق قد تحقق بالفعل بسقوط الشيوعية، ولم تعد المملكة -والعالم معها- يجنى من وراء تشدد هذا التيار غير آثاره السلبية، وعلى رأسها إعاقة التنمية وإجهاض الحداثة وموجات الإرهاب.

هذا الخط السياسي والديني الجديد الذي اتبعته المملكة توّج مرحلة من الفوضى العنيفة أعقبت ثورات الربيع العربي وبلغت ذروتها مع ولادة وتوسع وتوحش تنظيم داعش، وهو ما خلق وضعية بالغة الضعف، وجد مجمل تنظيمات الإسلام السياسي وفي القلب منها التيار السلفي نفسه فيها. هذه الحالة الشديدة من الضعف ألقت بظلال رمادية على مواقف السلفيين العملية من كل ما يجري في المملكة من إصلاحات وتغييرات حاسمة لا يشك أحد في أنها لا تلقى تأييدهم ولا رضاهم، ولا يكفي في فهم أبعادها مجرد التركيز الدعائي على عدة مفاهيم واصطلاحات و«عقائد» السلفيين بخصوص السمع والطاعة للحاكم، أو قولهم بعدم جواز الخروج على «أئمة الجور والظلم» ما لم يصلوا إلى الكفر البواح أو ترك الصلاة.. إلخ. فالمعروف من الأدبيات السلفية ذاتها أن دعوى الإجماع بهذا الخصوص ليست حاسمة، بالذات في ظل وجود جماعات ما يسمى بـ«السلفية الجهادية»، وهي التى تشكل النواة الصلبة لتنظيمات وأيديولوجيات الإرهاب حول العالم، بما فى ذلك أعنفها كتنظيمَى القاعدة وداعش.

برهامي والكلام الساكت! 

بما يشبه تعبير «الكلام الساكت» يجيب الشيخ السلفي ياسر برهامي عن سؤال يتعلق بعنوان مقال للصحفي محمد الباز، جاء فيه: «كيف استرد محمد بن سلمان، الله من أيدى المتطرفين؟» بقوله: «فإن الله -تعالى عما يقول الجاحدون- ليس لعبة في أيدي الملوك ولا أبناء الملوك، ولا الجماعات ولا الدول، ولا البشر ولا الخلق جميعًا»! ثم يعقِّب: «فهل يعقل هؤلاء ما يقولون وما يكتبون؟! شأن الله أعظم من ذلك»!

والظاهر أن برهامي وظَّف سكوت تعليقه (كلامه) بالاتجاه إلى نقد شكل أوصيغة عنوان مقال الباز، دون مضمونه. فالقصد البارز من العنوان ليس أن الله لعبة بأيدي «الملوك ولا أبناء الملوك» كما يغمز برهامي، إنما القصد أن المتطرفين هم مَن حوَّلوا القداسة الإلهية إلى لعبة بأيديهم بأن أسبغوها على ذواتهم وأفعالهم وأفكارهم، جاعلين من أنفسهم ظلالًا لله على الأرض وناطقين بشرائعه وملاكًا لسلطته. وفي إجابته يبدو أن برهامي اختار التهرب من مواجهة مضمون السؤال أو أنه أراد أن يبث مضمونًا مضمرًا عن طريق التركيز على شكل العنوان وصيغته.

هذا الموقف المراوغ لبرهامي بإزاء مجمل الإصلاح الديني في السعودية يتأكد من خلال (فتوى) أخرى يجيب بها عن سؤال مطول وجهه إليه أحد رواد موقع «أنا السلفي»، السؤال يدور حول تناقضات مشايخ الوهابية بتشدد فتاواهم حتى الأمس القريب، ثم فقدانها تشددها مع مجىء ولي عهد السعودية ورغبته في الإصلاح الديني، السؤال يقول: «بالأمس القريب المشايخ والعلماء وهيئة كبار العلماء منعوا من قيادة المرأة للسيارة في السعودية، لأن الدولة تريد ذلك، والآن نفس المشايخ والعلماء يقولون بالجواز وأنه مباح، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، لأن الدولة تريد ذلك! فهل الحلال ما أحل الحاكم، والحرام ما حرمه؟ أليست مثل هذه التصرفات ممن يُقال عنهم مشايخ وعلماء تسبب تذبذبًا عند الشباب المحب لدينه؟! أليست هذه التصرفات قد تؤدي بالبعض إلى الكفر بكل المشايخ، وأنهم عملاء للسلطان، وتفقد ثقة الشباب والمسلمين بهم جميعًا، وقد تؤدي في بعض الأحيان إلى الإلحاد؟!».

وتأتى إجابة برهامي عن السؤال مراوغة ورمادية بقدر ما هي غريبة أيضًا. فهو يبدأ بأن منع قيادة المرأة للسيارة مبني على سد الذرائع وليست بدليل صريح من الكتاب والسُّنة والإجماع، وكأن القرآن والحديث أو إجماع الفقهاء كان من الممكن أن ينهى عن قيادة المرأة للسيارة قبل اختراع السيارة أو قبل ما أوحت لهم به أوضاع و(ذرائع) المجتمع الحديث من تشدد! لكنه يؤكد بعد ذلك أن اجتهاد الفقهاء الوهابيين على الرغم من تناقضه الذي أفضت إليه حاجات الدولة لم يتغير! (لأنهم حين منعوا، منعوا من أجل الخوف من المفاسد وحين أباحوا قيدوا الأمر ضوابط تمنع المفاسد، ولو وقع خلاف ما اشترطوه وضبطوه، وصدر فى المرسوم، لم يكن عليهم الإثم فى ما وقع من مفاسد)! والإثم بالطبع فى ما يتجه إليه كلام برهامى -الساكت مثل العادة- لن يقع على غير تهاون الحاكم في تطبيق المرسوم الديني!

الحويني سر أبيه!

يُعَرِّف حاتم الحويني نفسه على حساب «تويتر» بأنه حاصل على ليسانس شريعة إسلامية، جامعة الأزهر، وأنه يعمل مع والده الشيخ أبى إسحاق الحويني فى تحقيق تراث أمتنا، وأنه صاحب شركة «Metal Glass» للاستيراد والتصدير، لكن ما تضيفه متابعة حساب «تويتر» الخاص بابن الشيخ السلفي المعروف إلى قائمة اهتماماته المتنوعة اهتمامه بالفتوى على غرار أبيه، وهو ما يبدو من تغريدة له بتاريخ 4 نوفمبر تنتقد تقليص نفوذ هيئة الأمر بالمعروف السعودية، وتقول:

 «س: هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاملة تدريب لعدد من منسوبي الهيئة علشان يتعاملوا كويس مع السياح اللى جايين المملكة (أيقونة باكية).

ج: أرجو أن لا يكون التدريب على ضبط النفس بالتجاهل عند رؤية المنكرات وعدم الأمر بالمعروف».

النبرة المتأسفة على تقليص سلطات الهيئة السعودية التي كانت تتمتع حتى وقت قريب بكلمة نافذة وسلطات آمرة في أوساط المجتمع والدولة السعودية، هي النبرة المهيمنة على مجمل تغريدات الحساب في ظل الأوقات الإصلاحية الصعبة التي تمر بها «الدعوة السلفية» في موطنها الأصلي الوهابي، وهو ما أشارت إليه تغريدة أخرى ذات نبرة سياسية سافرة بتاريخ 19 أكتوبر 2019، تقول: «الدين يُباع رخيصًا إرضاءً لأحمق البيت الأبيض! ليس لنا إلا الله في ظل هذه الفتن المتلاحقة التي تعصف بالقلوب عصفًا! وتجعل الحليم حيرانًا من هولها وفجورها وقبحها! يجب علينا أن نرجع إلى الله ليمكن لنا، فوعد الله لا يتخلف ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾، فهل نصرنا الله فى أنفسنا وفى بيوتنا؟!».

في تدوينة أخرى، يتهم الحويني إمام المسجد الحرام عادل الكلباني، بالعته والخبل والإساءة إلى مقام النبوة، من أجل تبرير سلوك شاذ لهيئة الترفيه! وينسب إلى الكلباني وصف النبي بأنه كان مرتادًا لحفلات الراقصات والمطربات ويحضرهن إلى بيته ليغنين ويرقصن، رغم أن فتوى الكلباني التى أثارت ردود أفعال إعلامية وتواصلية كثيرة لم تتجاوز أن سردت أخبارًا ومأثورات مشهورة فى كتب الحديث، وانطلقت فى تقديرها للتشدد الوهابي فى تحريم الغناء على شبه ما قال به برهامي فى فتواه من الحرص على سد الذرائع!

وفي مايو 2019، وعلى أثر إعلان الشيخ السعودى عائض القرني، عن أنه سيسخر قلمه لخدمة مشروع ولي العهد محمد بن سلمان، واعتذاره عن دعاوى التشدد الوهابي التي خالفت سماحة الإسلام وضيَّقت على الناس من قبل. تساءل أحدهم: متى يأتى أوان اعتذار مشايخ السلفية المصريين، مثل الحويني ويعقوب وحسان، مثلما اعتذر عائض القرني؟ وهو ما استفز نجل الحويني للتعقيب عليه بحدة، إذ قال: «أكثر الذين انتكسوا عن الحق لم يكونوا أصلًا عليه في باطنهم، ولكنه وافق هواهم في يوم فاتبعوه، ولما تغير الهوى إلى غيره تركوه. نسأل الله العافية للحويني وحسان ويعقوب، وأن يحفظهم بحفظه ويثبتهم على الحق. إذا اتبع عائض القرني الإسلام الذى يدعو إليه محمد بن سلمان، فنحن نتبع الإسلام الذى دعا إليه محمد بن عبد الله. وشتان شتان بينهما»!

وفضلًا عن غرابة تصور الحويني عن الحق الذى يوافق هوى البعض فيتبعونه ليس لأنه حق ولكن لأنه هوى أو وافق أهواءهم! إلا أن التفرقة التى يقول بها بين "إسلام محمد بن سلمان" و"إسلام محمد بن عبد الله" تنطوي على دعوى تكفير لا يجوز إغفالها أو على الأقل تلويح خطير بها.

المقال

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث