حوار مع أشهر مسيحي مغربي - مقالات
أحدث المقالات

حوار مع أشهر مسيحي مغربي

حوار مع أشهر مسيحي مغربي

هذا الحوار تم لصالح جريدة مغربية لكن لم يتم نشره بسبب الرقابة، لذلك نقوم بنشره هنا.

 

كيف خرجت عن دين الإسلام؟

أولا أود أن أشكرك على أسئلتك وأشكر اهتمامك بهذا الموضوع خصوصا في ظل الحملة التي تشنها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية على ما تتعمد الأوساط الإسلامية تسميته "تنصيرا" وما نصر نحن على تسميته "تبشيرا"، وبهذا المناسبة أود أن أقول إن وزارة الأوقاف تشن حربا خاطئة في اتجاه خاطئ، لأننا لم نر وزارة الأوقاف تشن حربا على الأمية التي تخجلنا معدلاتها أمام دول أخرى، ولم نر وزارة الأوقاف تشن حربا على الفقر الذي ينهش العائلات المغربية، ولم نرها تشن حربا على الرشوة التي رأى العالم كله فضيحتها على صفحات "يوتوب" ولم نرها تطرح حلولا إسلامية لمشكل البطالة التي تدفع شبابنا إلى الموت غرقا كل يوم في اتجاه الضفة الأخرى..إلخ، رأينا فقط "حداكة" وزارة الأوقاف في الوقوف ضد انتشار المسيحية في المغرب، ويحضرني هنا المثل المغربي "يتعلمو الحجامة في ريوس اليتامى". 

أعود إلى قصتي بالنسبة لاعتناقي المسيحية، فقد سمعت أول مرة برنامجا في الراديو يبث من إذاعة مونتي كارلو لم تكن حينها الفضائيات ولا الأنترنت ولا الوسائل الموجودة اليوم متاحة آنذاك، كان الراديو وسيلتي الوحيدة لمعرفة ما يدور في العالم، وعند سماعي كلمة "يسوع المسيح" على الراديو وسماعي أنه ابن الله وأنه صلب وقام في اليوم الثالث وهو الآن في السماء وسيعود ليدين الأحياء والأموات ..إلخ، تشنجت أعصابي وتشوشت أفكاري وصرت كلي آذانا صاغية، فالمتكلم عربي والكلمات عربية ولكن ما أسمعه لا يمت إلى ما تعلمناه بصلة، فغضبت وخمنت أنها الدول الغربية تحاول أن تبعدنا عن ديننا، فكتبت رسالة عبارة عن آيات كثيرة كنت حفظتها منذ الصغر عن عيسى بن مريم، "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة" "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم" " وماقتلوه وماصلبوه ولكن شبه لهم، وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه " إلخ من الآيات وقلت لهم "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" ثم في الأخير شتمتهم غيظا وحنقا على ما كنت أعتقد أنه مكر منهم وتحايل علينا نحن المسلمين، المهم أنه بعد مدة بعثوا لي كتيبا صغيرا، ثم بعد ذلك بدأت سلسلة من الدروس بالمراسلة قادتني إلى أكثر من أربع سنوات من الدراسة والمقارنة بين المسيحية والإسلام، قارنت بالذات "مسألة صلب المسيح بين الإسلام والمسيحية" و "مسألة تحريف الإنجيل بين الإسلام والمسيحية" وحاولت أن أكون موضوعيا قدر الإمكان في هذه المقارنة لأثبث لنفسي أن الإسلام هو الدين الحق وأعرف خبايا المسيحية لأستطيع أن أرد على كل مسيحي عن معرفة لا عن جهل، وبالتالي أستطيع أن أقول إن حب المعرفة وحب الاستطلاع والرغبة في الدفاع عن ديني قادتني إلى دراسة معمقة انتهت بصدمة كبيرة في دراستي حيث اكتشفت أن المسيح صلب فعلا بالأدلة التاريخية والمنطقية وأن القصة القرآنية لا يوجد دليل تاريخي ولا منطقي يسندها وقد تضاربت أقوال المفسرين في شرحها حتى لم يقفوا على رأي واحد بخصوصها، ووجدت أن تحريف الإنجيل لا يوجد دليل عليه ولا يدعمه التاريخ ولا علم تحقيق النصوص ولا علم الآثار ولا المنطق العلمي، وبالتالي وجدت أن هذه الحقيقة تلزمني كفرد أن أؤمن بالإنجيل وأعترف بصحته مما يجعلني حتما أكذب ما جاء في القرآن وأرفضه، وهذا كان أمرا  صعبا جدا علي حتى أني كنت أبكي الليالي وأتألم لذلك، لأن الدين جزء لا يتجزأ من ثقافتنا الإجتماعية والخروج عنه يجعلك في نظر الآخرين خائنا للعائلة والمجتمع، ولكني كباحث كنت مقتنعا تمام الاقتناع بأن المسيح شخص مثالي رائع في أقواله وأفعاله وحياته الفريدة والإنجيل هو قوة الله المغيرة للإنسان، وبالتالي قررت ذات يوم أن أعترف بهذه الحقيقة أمام ذاتي أولا وأخضع لها عاملا بقول السيد المسيح "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟"

لماذا لم تلجأ لرجل دين مسلم كي يجيب على أسئلتك المحيرة في تلك الفترة عوض طرق باب الإذاعة الأجنبية؟

لم يكن لدي مشاكل في ديني أصلا ربما كانت لدي تساؤلات كأي مسلم لكنها لم تكن ترقى إلى مستوى يدفعني إلى التخلي عن إيماني بالإسلام وبالتالي لم أكن في بداية الأمر في حاجة إلى إجابات حتى أتوجه إلى الشيوخ، كنت في حاجة إلى أن أقارن المسيحية والإسلام ليكون اختياري للإسلام عن قناعة تامة تثبت جدارته أمام أي دين آخر وتثبت أنه هو الحق المطلق والدين الخاتم الجامع الشامل لكل الأديان التي سبقته وتمكنني في الأخير من الرد على المسيحيين ردود الإنسان المطلع المتعلم الذي يعرف عقائد الآخر أيضا، لكن هذه المغامرة التي خضتها أتت بنتائج عكسية مخالفة لكل توقعاتي، وحين فوجئت بأن كل ما تعلمته عن المسيحية كان تعليما مضللا وخادعا وليس هو المسيحية الحقيقية التي يعلنها الإنجيل وجدت نفسي أستعيد أسئلة الصغر وأضيف إليها أسئلة أخرى بخصوص حياة نبي الإسلام وبخصوص وحي القرآن وبخصوص التاريخ الإسلامي ككل وكل المسلمات التي تعلمتها منذ الصغر، وهذه الأسئلة لم أكن بحاجة إلى شيوخ ليردوا عليها فوالدي فقيه وحامل للقرآن وتعلمت على يديه الشيء الكثير بل إني حفظت عشرة أحزاب من القرآن وحفظت عشرات الأحاديث وطالعت الكثير من الكتب الموجودة في مكتبة والدي كتفاسير القرآن وكتب السيرة و صحيح البخاري ومسلم.. وغيرها، وهذه الكتب كافية لتعطي نظرة وإجابات واضحة للأسئلة التي كنت أحاول أن أجيب عنها، وهناك عامل آخر هو أن صراعي كان داخليا ومثل هذه الأسئلة والأفكار والصراعات الداخلية لو ناقشتها في العلن أو طرحتها أمام أي فقيه أو إمام أو شيخ ستدخلني في متاهات كثيرة وستفضح ما يدور في ذهني وما يعتمل في صدري أمام الناس جميعا وهو أمر كنت في غنى عنه حينها، أضف إلى هذا كله أن الحقيقة التي تجدها بنفسك وتبحث عنها وتناقشها أحسن بكثير من إجابات جاهزة تعودت سماعها كثيرا في المسجد وفي مجالس الفقهاء بحكم اختلاطي بمحيط والدي.

كيف كان موقف عائلتك من تمسحك؟

عائلتي لم تعرف في بداية الأمر وأنا لم أكن أدري ما الذي علي فعله، هل أخبرهم أم أخفي عنهم، أم أترك الأمر للزمن، لكن كان واضحا للجميع أن ميولاتي تغيرت وأني لا أصلي كما كنت من قبل وأني أتهرب من الشعائر الدينية الإسلامية وأن الكتب والرسائل التي تصلني كل يوم تأتي من الخارج، وأن الكتب والعناوين المثيرة التي لم نألفها تدعو للتساؤل، وبالتالي انتهى الأمر بأن علمت والدتي وتأكدت من اعتناقي للمسيحية وعلم أقاربي أيضا بذلك وانتشر الخبر بين كل أفراد العائلة، بعضهم كرهني بسببه وبعضهم صار يخاف على أولاده مني إذا ما زرتهم ويحاول أن يبعدني عنهم بكل الطرق الممكنة، وبعضهم طردني من البيت، وبعضهم سبني وشتمني وآخرون قالوا ربما طيش مراهقة سينتهي بعد حين ثم يعود إلى رشده، أما والدتي المسكينة فقد بكت وولولت ولطمت يوم تأكدت من اعتناقي للمسيحية، كنت أنا أتألم جدا لكل هذه الأمور وتمنيت لو كان الأمر يتعلق بشيء آخر لحاولت إرضاءهم لكنه يتعلق بعقيدتي وقناعاتي وبمصيري الأخروي، وبالتالي كان قلبي يعتصر بالأسى والحزن وفي نفس الوقت أتأسف لأن مجتمعنا ليس فيه ثقافة الاختلاف واحترام حق الأشخاص في تبني قناعات تخالف قناعات الآخرين، المهم كان والدي آخر من يعلم وكان أثر الصدمة عليه شديدا لقد بكى مرات كثيرة وتضرع إلى الله أن يعيدني إلى الإسلام وطلبت مني والدتي مرارا أن أراجع نفسي وأن أحاول قبول الإسلام أو على الأقل أخفي إيماني الجديد وأتظاهر أمام الناس بأني مسلم حتى لا أجلب العار على العائلة، وطبعا هذا كان أمرا مرفوضا عندي ودفعت ثمنه غاليا، إذ انقطعت علاقاتي مع أفراد كثيرين من عائلتي وابتعدت عن العائلة فترة من الزمن وتعثرت دراستي بسبب ذلك، وفي فترة من الفترات صرت مشردا لأن أصدقاء الدراسة أيضا صاروا يتحاشون حتى الكلام معي وتخلوا عني، بل صرت منبوذا من الكل وكأني شخص فيه مرض معدي خطير.

لماذا تحارب الإسلام الآن، لقد غيرت دينك إلى الدين الذي تحب فلماذا لا تكتفي بذلك وتمضي في طريقك؟

كلمة حرب في سؤالك لها حمولة كبيرة لا أعتقد أنها تنطبق على ما أقوم به بحسب رأيي، فأنا أنتقد الإسلام ولا أعتقد أن انتقاد الإسلام يعد حربا، فالنقد والمقارنة والتساؤل من حق أي شخص تجاه أي دين أو فكرة أو عقيدة أو كتاب، فقد أعطى الإسلام لنفسه هذا الحق في انتقاد عقائد الآخرين كالمسيحية واليهودية، فمثلا عندما يقول القرآن " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم" فهو ينتقد عقيدة مسيحية متعلقة بلاهوت المسيح، وبالتالي عندما يعطي الإسلام لنفسه هذا الحق فمن حق الآخرين أيضا انتقاد عقائده، وبصفتي مسلم سابق رضعت الإسلام منذ صغري وتربيت فيه وكبرت فيه وفي بلد مسلم أعتبر لدي كل الحق في أن أنتقده وأعرض أفكاري على الناس ولهم الحق في القبول والرفض، فالإسلام في نظري الآن ليس هو الطريق الحق والإنجيل يحتم علي أن أبشر الناس خصوصا أهلي وأهل بلدي إذ يقول: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" وجزء من التبشير أن أقارن للناس بين المسيحية والإسلام وأريهم أوجه الفرق والاختلاف، وهم أحرار حينها في القبول أو الرفض، أما أن أصمت ولا أتكلم إطلاقا وأحتفظ بإيماني لنفسي فهو أمر لا يقبله أي مؤمن مخلص لدينه، فالمسلمون يَدْعون لدينهم طيلة أربعة عشر قرنا بكل الطرق والوسائل، وأصدروا الكتب تلو الأخرى في انتقاد المسيحية ومحاولة تفنيد عقائدها، أذكر من بينها مثلا "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" لابن تيمية، وكتاب " إظهار الحق" لرحمة الله الهندي..وغيرها، وهم يقومون بالدعوة بين المسيحيين ليل نهار وكتب أحمد ديدات ملأت الأرصفة في شوارع الدار البيضاء مثلا، فعليهم إذن أن يقبلوا بالمقابل أن ندعو نحن أيضا إلى معتقداتنا وأن يتقبلوا النقد الموجه لعقائدهم ويتقبلوا أن تنشر الكتب وتذاع البرامج التي تفند عقائد الإسلام، فهل ما يفعله الإسلام والمسلمون تجاه عقائد الآخرين يعد دعوة وما يفعله المسيحيون يعد حربا؟ أليس هذا هو الكيل بمكيالين؟ أحلال عليكم وحرام علينا؟ 

كيف هاجرت إلى الخارج؟

هجرتي إلى الخارج جاءت بعد أن ضقت ذرعا من أمور كثيرة، أنا أحب المغرب ولازلت وحبي لبلدي ولأهل بلدي ولأقاربي حب يوصي به الإنجيل بقوة، وأحس به إحساسا حقيقيا لا رياء فيه، لكن ضغط السلطات علي حتى صرت يوميا أجد مخبرا أو مخبرين أمام بيتي، وصرت أتلقى مكالمات هاتفية من أجهزة أمنية مختلفة وصرت مراقبا أينما ذهبت وصارت خطوط الهاتف مراقبة، وتم تهديدي بتلفيق تهم باطلة أو بالتخلص مني بطريقة أو بأخرى لابتزازي حتى أعطيهم معلومات عن كل من أعرفهم من المسيحيين بالداخل والخارج واستنطاقات من هذه المصلحة ومن تلك حتى لم أعد أحصي عدد المرات التي استدعيت فيها، وبالتالي تكون لدي خوف حقيقي من أن مصيري بين قوسين في أي لحظة وتأكدت من خلال بعض زملائي أن نشاطاتي تزعجهم وعلاقاتي تزعجهم أكثر، فقررت أن أرحل مرغما متذرعا أمام العائلة والأصدقاء والمعارف بأسباب أخرى لكن هذا هو السبب الرئيسي والأساسي، وبحكم عملي كان من السهل علي أن أحصل على أي تأشيرة فأخذت تأشيرة ورحلت مع زوجتي لأقوم بعد ذلك بتسوية وضعيتي بالطرق القانونية المعروفة.

ما هي الرسالة التي ترغب في إيصالها لمشاهديك؟

الرسالة التي أسعى إلى إيصالها للمشاهدين هي أنه على الإنسان أن يتخلص من عقدة "لاتسألوا" أن يعطي لنفسه مساحة لإعادة التفكير في الموروث الديني، وأن يبدأ رحلة البحث بنفسه، وأن يكون منفتحا لفهم الآخر، وأن يتقبل نقد الآخر وتساؤلاته وأن يحاول فهم الإنجيل من زاوية أخرى غير الزاوية التقليدية الموروثة التي علمته أن الإنجيل محرف وعلمته أن كل الأنبياء كانوا مسلمين، وأن كل الكتب حُرفت وأن كل الأمم تكيد للإسلام وتحاول أن تؤذيه لأنه الأفضل على الإطلاق.. أن يتخلص من تلك النظرة السطحية الساذجة التي رددها الشيوخ والأئمة وصدقناهم وصرنا كقطيع نهز رؤوسنا وراءهم دون أي اعتراض مخافة أن ننعت بالكفر والردة.

هل تشتاق للمغرب؟

جوابي يكاد ينطبق عليه قول الشاعر "بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ولكن مثلي لا يذاع له سر" .. نعم أشتاق إلى كل ذرة منه، فالمغرب جزء من كياني وقد أمضيت فيه أكثر من اثنين وثلاثين سنة من عمري ونسجت فيه علاقات طيبة مع أناس كثيرين ولي فيه ذكريات لا يمكن أن أنساها سواء الحلوة منها أوالمرة، وهناك فرق بين العقيدة والناس والوطن، وأتمنى أن يفهم الناس هذا الفرق وأن تفهم السلطات أيضا هذا الفرق فليس من يغير عقيدته خائنا للوطن وللشعب كما يحاولون أن يفهموا الجميع، إنما قد تختلف عقائدنا ومع ذلك تجمعنا نفس الهموم ونفس التطلعات، بل أكثر من ذلك المسيحي الحقيقي ينبغي أن يكون أكثر غيرة على الوطن وأكثر حبا للناس وأكثر استعدادا لخدمة حيه وخدمة قريته وخدمة مدينته وبلده حتى يعكس صورة مشرفة عن إيمانه، وعن مثله الأعلى الذي هو شخص السيد المسيح. 

هل ترغب في العودة إلى مسقط رأسك يوما والتجول بين الأحياء التي كبرت فيها؟

طبعا، خصوصا وأني اجتماعي بطبعي، أتمنى أن يأتي ذلك اليوم الذي أعود فيه إلى وطني أشرب كأس شاي منعنع في مقهى وسط البلد بين الأهل والأصدقاء، أن آخذ أولادي وأريهم أين ولدت وأين كبرت ويرون أعمامهم وأخوالهم وأقاربهم، أن يلعبوا حيث لعبت أن يجروا ويركضوا حيث ركضت..وأن أقول لهم بكل فخر واعتزاز هذا بلدي وبلدكم، أن أحيي هذا وأصافح ذاك وأتبادل آخر نكتة مع "مول المحلبة" أو "الحلاق" أن أساعد الجار والجارة، وأقف إلى جانب من يحتاج إلي من أهل وأقارب.. طبعا كل هذا دون أن أضطر إلى الخوف على حياتي من أي أحمق تعلم أن قتلي سيدخله الجنة "ديريكت" لأني مرتد، ودون أن يناديني المقدم وهو لا يفرق بين "الليف والزرواطة" قائلا "باغيك القيد على داك الشي ديال الدين" دون أن أضطر إلى الامتناع عن الأكل أيام رمضان طيلة النهار حتى أعود إلى البيت مساء مخافة أن يلقى علي القبض بتهمة الإفطار العلني، ودون أن يأخذ العامل جواز سفري وكل أوراقي قائلا :" ملي ترجع للإسلام عاد جي خودهم، ولا سير دعيني".. ودون أن أهدد بأنه يمكنهم أن يعتقلوني بتهمة المس بالمقدسات في أي لحظة، ودون أن أغلق نوافذ البيت حين أريد أن أرنم ترنيمة مسيحية، أو أهاتف أصدقائي بألا يأتوا إلى بتي لأن المخبرين "يحصون الداخل والخارج"...نعم أرغب في العودة ولكن!! 

هل صحيح أن جل المغاربة الذين يتمسحون يفعلون ذلك طمعا في مقابل المال أو فيزا الهجرة إلى الخارج؟

هذه إشاعة منتشرة منذ زمن طويل جدا الهدف منها التقليل من شأن الذين يعتنقون المسيحية والهدف منها أيضا محاولة التخلص من صدمة أن المسلم يمكن أن يترك الإسلام عن قناعة وبحث، فالمسلمون لحد الآن يعيشون تحت تأثير الصدمة التي سببتها لهم حالات لم يجدوا لها تفسيرا فزجوا بها في تلك الخانة وكذبوا الكذبة ثم صدقوها، لا يمكن لي أن أنكر أن هناك حالات انتفاعية ووصولية يحاول أصحابها أن يطمعوا في ربح مادي خصوصا وأنهم سمعوا هذه الإشاعة مرارا وتكرارا، لكن سرعان ما يكتشف أصحابها أنها بعيدة عن الصحة فيعودون من حيث أتوا أو تظهر للناس أهدافهم الحقيقية مع مرور الوقت، ولذلك لا يمكن أن نعمم حالات استثنائية ونجعلها هي القاعدة، بل على العكس من ذلك أغلبية كبيرة من الذين اعتنقوا المسيحية هم من خيرة الشباب المتعلم المثقف وأعرف الكثيرين منهم ممن يشغلوا مناصب مختلفة، فمنهم الأستاذ والمعلم والتاجر والمقاول والطبيب والموظف الحكومي...إلخ، وكلهم قضوا سنوات طويلة في النضال من أجل عقيدتهم وهناك من أتى بآخرين من أفراد عائلته وكان سببا في إقناعهم باتباع السيد المسيح، وهناك من صار لديهم أولاد ثم أحفاد أيضا وكلهم من أتباع السيد المسيح، فهل يعقل أن يكونوا كل هؤلاء يقومون بتمثيلية فقط لأجل المال والفيزا؟ مع العلم أن النسبة الكبيرة من المسيحيين المغاربة موجودة داخل الوطن لا خارجه وبالتالي كيف يعقل أن يؤمنوا لأجل الفيزا وهم سيقضون أعمارهم كلها في المغرب؟

لماذا لم تسخر جهودك كمسيحي لتقريب الأديان عوض مهاجمة الإسلام؟

إن تقريب الأديان لن يتم مادام الآخر لا يعترف بحقي في نقده، فهل يعقل أن أجتمع في مؤتمر مثلا أسميه مؤتمر "حوارالأديان السماوية الثلاث"  وانا أصلا لا أؤمن بأن الإسلام دين سماوي؟ إن مؤتمرات حوار الأديان أثبتت لحد الآن فشلا ذريعا في الوصول إلى نتائج من هذا الحوار، لأن الإسلام يريد أن يحاور انطلاقا من مفهوم خاطئ للحوار، ثقافة الحوار في الإسلام غريبة، يريدني الإسلام أن أقول له أن محمدا نبي لأنه يقول إن المسيح نبي، ويريدني أن أقول له إن القرآن كتاب من الله لأنه يقول الإنجيل كتاب من عند الله (قبل أن يُحرف طبعا)!! وبالتالي فأنا لا أريد أن أنخرط في مفهوم مغلوط أساسا، أنا أساهم في تكريس ثقافة حوار من نوع جديد مبنية على نقد صريح بعيد كل البعد عن مجاملات مؤتمرات الحوار التي تعودنا أن نأكل فيها الحلوى ونشرب الشاي ونتبادل كلمات مجاملة في خطب أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها نفاق ديني، فالأديان لن تتحد في أي يوم من الأيام وبالتالي ينبغي أن نقبل بالتعايش والاختلاف واحترام الآراء ونقبل النقد بصدور رحبة.

كلمة للمسيحيين المغاربة داخل البلاد

أنا أفتخر بكم لأنكم أبطال فعلا، وأشجعكم على الصبروخدمة البلاد والعباد، دون أن تنسوا كلمات بولس الرسول: "لست أستحيي بإنجيل المسيح لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن" وأقول لكل مغربي كيفما كان دينه ومعتقده نحن نحبكم جميعا وإن اختلفنا معكم في العقيدة، ولا ندعو لكم إلا بالخير ولا نكن لكم إلا الحب والاحترام والتقدير.

 

Related

Share

Rating

7.33 ( 3 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث