العلمانية تقتضي فصل الدين عن الدولة.... وليس عن السياسة - مقالات
أحدث المقالات

العلمانية تقتضي فصل الدين عن الدولة.... وليس عن السياسة

العلمانية تقتضي فصل الدين عن الدولة.... وليس عن السياسة

الباحث حسام الدين درويش: هل ثمة تكامل أو تداخل أو تنافر، ضروري أو غير ضروري بين هذه الأطراف أو المفاهيم الثلاثة: الإسلام، الديمقراطية، العلمانية؟ ستتأسس مناقشتنا لهذا السؤال، بالدرجة الأولى، على تفكيرٍ في موضوع الاختلاف: ما موقف كل مفهوم من فكرة أو موضوع الاختلاف؟

في الحديث عن الديمقراطية، ينبغي التأكيد بدايةً على أمرين أساسيين: لا يوجد سبب في بنية الشعب أو المجتمع العربي عمومًا يحول أو يمنع بالضرورة من الانتقال إلى الديمقراطية في البلاد العربية. طبعًا هذا لا ينفي وجود عوائق مختلفة في هذه البلاد العربية والمتمثلة، على سبيل المثال، في: ريعية الاقتصاد، ضعف الثقافة الديمقراطية، البنية القبليَّة والعشائرية، ترييف المدينة، المنشأ الريفي للقيادات العسكرية الانقلابية، ضعف الطبقة الوسطى، الدين أو التدين الإسلامي ... إلخ.

الأمر الثاني الذي ينبغي التأكيد عليه منذ البداية هو أنه بعيدًا عن جلد الذات الذي نمارسه، أو يمارسه بعضٌ منا، على أنفسنا أحيانًا، وبعيدًا عن النظرات العنصرية أو التحقيرية المرتدية أحيانًا لباس العلمية المزعومة القائلة "إن شعبنا لا يستحق الديمقراطية وليس جاهزًا لها"، ينبغي التشديد أنه لا يوجد شعبٌ يستحق ذل الديكتاتورية، وأن كل شعبٍ يستحق، من حيث المبدأ، وبالمعنيين الأخلاقي والمعرفي للكلمة، أن يٌحكم ديمقراطيًّا، بحيث تصان حريته وكرامته وإنسانيته عمومًا.

في الانتقال إلى الحديث عن علاقة الديمقراطية بالاختلاف، ينبغي الإشارة إلى أمرين متكاملين رغم تناقضهما الظاهري مبدئيًّا. من ناحيةٍ أولى، الديمقراطية ضروريةٌ لأنها تسمح ببروز الاختلاف وبالتفاعل معه إيجابيًّا. ففي النظام الديمقراطي يكون البشر أحرارًا، من حيث المبدأ، في التعبير عن آرائهم وتوجهاتهم المختلفة، ولهذا يبدو الاختلاف في الدولة الديمقراطية أكبر وأعمق من ذلك الموجود أو الظاهر في الدولة غير الديمقراطية، حيث يسود نمط التوحيد القسري وقمع الاختلافات وكبتها لصالح سيادة رأيٍّ أو اتجاهٍ واحدٍ.

ويكفي أن نتذكر روسيا "البوتينية" ونقارنها مع أمريكا "الترامبية"، لنرى الغياب الظاهري الكبير للاختلاف في الحالة الأولى، وحضوره القوي والكثيف في الحالة الثانية. فضرورة الديمقراطية تأتي، في هذا الخصوص، من كونها تسمح بالتعدد والتنوع والاختلاف، وتعمل على تنظيمه، وتوجيهه، وتأمين سلمية التفاعل البناء في الصراع بين المختلفين. فمن حيث المبدأ، تفسح الديمقراطية مجالًا للاختلاف لا بل تشجع عليه أيضًا. لكن، من ناحيةٍ ثانيةٍ، تتأسس الديمقراطية على فكرة المساواة أيضًا. وعلى أرضية هذه المساواة أو بغض النظر عن بعض الاختلافات بين مواطني هذه الدولة، تتأسس الاختلافات الأخرى وتتفاعل فيما بينها.