التعددية في العقيدة المسيحيّة بين النص والممارسة - مقالات
أحدث المقالات

التعددية في العقيدة المسيحيّة بين النص والممارسة

التعددية في العقيدة المسيحيّة بين النص والممارسة

بقلم ق. أيمن لويس

واحدة من أكبر مشكلات مجتمعنا المصري هي تفاقم مشكلة عدم القدرة على قبول التعددية والاختلاف، سواء كان هذا الاختلاف دينيًا أو سياسيًا. فالمسلم السني يسمّى الشيعة الروافض ويناصبهم العداء عقائديًا وسياسياً، والإسلام السني فريق والإسلام الشيعي فريق، وكل فريق يرى نفسه أنه هو الفرقة الناجية من النار! وفي المسيحية تتباعد المسافات بين الطوائف المسيحية، وينتشر التراشق اللفظي الصريح عبر وسائل الإعلام وخصوصاً بعد انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وما خفي في صدور وقلوب القادة كان أعظم ويتم إدارته بكل خبث ودهاء. كذلك أصبح الانشقاق والتحزب بين أفراد وكيانات ذات الطائفة الواحدة في أوسع نطاق، فالأقباط الأرثوذكس مذاهب كثيرة في مصر وخارجها، وفي الداخل لم يعد خافيًا وجود هذا الصراع الشرس بين الأساقفة في الكنيسة الأرثوذكسية. وأتباع الأرثوذكسية المتزمتة للمدرسة "الشنودية" باتت تكفر أحد رواد الفكر اللاهوتي الكتابي المعاصر وهو القديس الراحل الأب متى المسكين. وفي رحلة التزمت أيضا نلمح تمردًا خفيًا لمواجهة أي إصلاحات "تواضروسية" تهدف إلى الحد من التزمت ورفض الآخر والحفاظ على الشكل الأرثوذكسي. وغير خافٍ على الناظرين وجود هذه الكراهية المتبادلة بين الطوائف المسيحية، فنرى كنيسة لا تعترف بأي معمودية تتم خارج أسوارها رغم أن ممارسة المعمودية في أي كنيسة مسيحية لا تتم إلا باسم الآب والابن والروح القدس! كذلك فالبروتستانت (الإنجيليّون) ينقسمون إلى مذاهب بالمئات. إنني أرى أن كل فرق التناحر في النهاية تشترك في وحدة جوهر الإيمان المسيحي في النهاية، ولا أرى في التعددية مصيبة لأنه من حق كل إنسان أن يقرأ النصوص الدينيّة كما يحلو له، ومن حق كل إنسان أن يختار ما يوافق قناعاته بما يريح ضميره، ولكن ليس من حق فرد أو جماعة احتكار الملكية الفكرية وفرض المعتقدات بشتى الطرق واعتبار من يخالف هذه التوجهات مجرم في حق الله والفكر والجماعة التي ينتمي إليها. ليست المشكلة في الاختلاف.. لأن الاختلاف سُنّة أوجدها الرب في الكون منذ بدء الخليقة، إن المشكلة تكمن في رفض التعددية، وفي عدم قبول الاختلاف، بما يقود إلى الاعتداء والقتل والاقتتال، فما أراه من إفراط في تعدد المذاهب البروتستانتية التي أنتمي إليها، لا أشعر أنه تهديد للمسيحية ولا للإيمان المسيحي لأني في الأخير أجده اختلافًا ظاهريًا في القشرة الخارجية. لأنه بالفحص والتعمق نكتشف أن طائفة كاملة يتبعها آلاف من البشر قد تكونت بسبب تفسير خاص لجزئية صغيرة في آية من آيات الكتاب المقدس! إذًا فليكن! ليعتنق كل واحد منّا ما يريد ولينتمِ إلى أي جماعة يستريح لها، بشرط أن يتم هذا الأمر في إطار من الاحتفاظ بعقيدة حق الاختلاف وحرية الاختيار التي تضمن استمرار الود والحب وتنمية العلاقات الإنسانية والانسجام الاجتماعي. إن الاختلاف ليس فتنة، ولكن رفض قبول الاختلاف هو الفتنة في حد ذاتها وهي بغيضة كريهة عدائية عدوانية.. والتعددية والاختلاف سياسيًا كان أو دينيًا أو عقائديًا لا يجب أن توضع له حدود أو محاذير أو تفرض عليه قيود.. فالحوار والتبادل الفكري بين جميع الأطراف والاتجاهات والعقائد حق إنساني ومظهر صحي من مظاهر الحياة، وتعليم كل هذه الأفكار يحتاج إلى مشوار كبير من الجهد والوقت.

نعود للموقف المسيحي والتناقض الكبير الواضح بين سلوك المسيحيين عامة وقادة الكنيسة خاصة من جهة وبين نصوص الكتاب المقدس من جهة ثانية. فبينما نري سلوكًا شاذًا منحرفًا من المسيحيين برفض الاختلاف وقبول الآخر نجدهم يصلّون من كتاب كل تعاليمه تدعو للمحبة وقبول الاختلاف، بل جعل العلاقات الإنسانية الودية الراقية هي أساس العلاقة مع الله دون أي إشارة للتصنيف الديني.. يكفي فقط قراءة قصة السامري الصالح لنتأكد أن قُدّاسات المعلمين الذين يقودون الكنيسة ليس لها علاقة برسالة محبة المسيح يسوع، وأنهم موظفون منحوا أنفسهم سلطات روحية، وليسوا خدامًا تمت دعوتهم لغسل أرجل المؤمنين المتعبين المعوزين والمحتاجين. ومن يقرأ قصة الابن الضال يرى قبول الأب للابن التائب مقدمًا له كل محبة وتقدير وخدمة واحترام، حتى دون أن يسأله أو يعاتبه على ما فعل أو ما يعتنق من اختلاف في الفكر! والأمثلة أيضًا كثيرة على ذلك؛ فعندما يقول السيد الرب يسوع المسيح تحب قريبك كنفسك (قاصدًا الإنسان دون تصنيف أو فرز) يجب أن يجعلنا هذا القول ندرك أن من يزرعون التحزب والشقاق ليسوا بالحقيقة أتباع المسيح، بل هم أتباع كيانات تمّ صنعها وانتموا لها لأنهم وجدوا فيها طموحاتهم ومصالحهم مغلّفة بغلاف ديني خادع، ومعتدين على وصايا الرب، ومقدمين تعاليم هي وصايا وتقليد الناس. في مواجهة السيد الرب يسوع المسيح لم أجده مرة مهاجمًا رجال الديني اليهودي لأجل عقيدة دينية مرتبطة بالأمور الأبدية بل كانت بسبب أنهم استغلوا التعليم الدينية للتسلط والتحكم في شؤون الناس، ووضع أثقال عليهم بزعم أن ذلك هو الإرادة الإلهية! ومازال الكهنة يفعلون نفس هذا الأمر حتى يومنا هذا. كم أشعر بحزن أنه بمجرد أن تظهر علامات نهضة روحية في الكنيسة المسيحية، إلا ونجد أن هؤلاء القادة الذين –من المفترض- يقيمهم الروح القدس لهذه البركة يحاربون هذه النهضة بغرض تفشيلها واستئصالها من داخل الكنيسة بمساعدة شيطانية من الأنظمة السياسية التي تعمل على تقويض أي نهضة للعمل المسيحي.. إنه تصالح المصالح ضد عمل الرب.. إنه لعنة روح السبي الذي تباركه الكنيسة عبر قرون. فما أكثر الألقاب الزائفة التي نتغنّى بها لمن هم في الأساس ليسوا أبطال إيمان بقدر ما هم "سَنْبَلَّطُ الْحُورُونِيُّ وَطُوبِيَّا الْعَبْدُ الْعَمُّونِيُّ وَجَشَمٌ الْعَرَبِيُّ" المقاومين لعمل الرب ولأي نهضة أو إصلاح. لقد جعلنا من القديسين شياطين؛ بدأ من الأب متى المسكين، مرور بالأسقف الشهيد، والأب مكاري يونان، والأب سمعان الخراز والأب دانيآل البراموسي وغيرهم كثيرين، فقط لمجرد أنهم أعلنوا تمجيد لشخص المسيح أكثر من عبادة الأشخاص.. لأن دعوتهم تهز عروش الكبار وتهدد مصالحهم وتسترد ما يسلبونه من مجد المسيح يسوع.. أيها المسيحيون أختم كلامي لي ولكم بهذا الرجاء المبارك: "فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلَّوْا وَطَلَبُوا وَجْهِي، وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيةِ فَإِنَّنِي أَسْمَعُ" (أخبار الأيام الثاني ٧: ١٤).

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث