كيف يواجه المسلم الأسئلة الصعبة حول دينه؟ : خمس مراحل علمية - مقالات
أحدث المقالات

كيف يواجه المسلم الأسئلة الصعبة حول دينه؟ : خمس مراحل علمية

كيف يواجه المسلم الأسئلة الصعبة حول دينه؟ : خمس مراحل علمية

الأخ رشيد

حين توفي والدي، مررت بحالة نفسية صعبة جديدة عليّ. لم أكن أعرف أن الإحساس باليتم في أية سن رهيب. كنت أعتقد أن إحساس اليتم صعب على الصغار وحدهم، لكني تعلمت أنه صعب على الكبار أيضا. إذ فقدت حتى شهية الأكل، وفقدت الرغبة في الكلام، وفي النوم، بل لم يعد لأي شيء معنى.

ولأني أسعى دائما إلى فهم ما يدور بداخلي، أردت أن أعرف ما يقوله علم النفس عن الحالة التي كنت أمر بها. من المؤكد أنها كانت حالة نفسية، وربما يساعدني علم النفس على تخطيها بأكبر سرعة ممكنة وأتفهمها أكثر. وجدت أن علم النفس يتحدث عن خمس مراحل للفقدان والحزن The 5 Stages of Grief & Loss وهي تكون كالتالي: الإنكار، الغضب، المساومة، اليأس، القبول.

Denial, Anger, Bargaining, Depression, Acceptance ويمكن اختصارها كالتالي: DABDA ففي المرحلة الأولى ننكر فقدان أحد الأحبة ونتخيل وجوده حولنا ولا نصدق أنه رحل. وبعدها نغضب لرحيله، ونثور على كل شيء، وبعدها نبدأ في تخيل سيناريوهات أخرى لنجاته من الموت. فلو كان قد فعل كذا لما توفي، ولو أخذ الدواء الفلاني، أو ذهب إلى الطبيب الفلاني، أو تابع العلاج الفلاني... هذه كلها مساومات لمحاولة استرجاعه بطريقة معينة. ثم اليأس والاستسلام، وبعدها نتقبل الأمر ونمضي في الحياة. وبطبيعة الحال، تستغرق كل

مرحلة وقتا يختلف من شخص إلى آخر. ولا يستطيع بعض الأشخاص الخروج من إحدى المراحل، فيحتاجون إلى علاج نفسي حتى يخرجوا من تلك المرحلة ويتابعوا المسار الصحي الذي يوصلهم إلى النتيجة النهائية، وهي القبول بالأمر الواقع. حين فهمت هذه المراحل جيدا، تأملتها فوجدتها تنطبق على أشياء كثيرة في حياتنا، مثل مواجهتنا للحقائق بالتعلقة بمعتقداتنا. فتجربتي الطويلة في التعامل مع المسلمين وطرح الأسئلة على معتقداتهم أكسبتني خبرة هائلة في المراحل التي يمر منها المسلم لكي يصل إلى النتيجة الحتمية، وهي القبول. وهي تقريبا نفس المراحل التي نتقبل بها رحيل الأحبة. فالإسلام دين نتربى على حبه بكل قلوبنا. وحين نفاجأ بحقيقته، تحصل لنا صدمة. وتمر هذه الصدمة النفسية عبر مراحل، وكأننا سنفقده فلا نصدق أن الدين الذي أحببناه وكنا نريد الموت دفاعا عنه قد صار في عداد المفقودين. إنها آليّات نفسية للدفاع والحفاظ على صحتنا النفسية حتى لا نتعرض للانهيار.

مرحلة الإنكار: أول ما أواجه المسلم بأسئلة حول نصوصه، فإنه يلجأ إلى إنكار هذه النصوص: "هذا الحديث غير موجود"، "أنت تفتري على الإسلام"، "هذا الحديث ضعيف"، "هذا حديث أسمعه لأول مرة لم يقله أحد غيرك"، "أنت كذاب."، "أنت تكذب على الإسلام وعلى النبي"، "لم يقم النبي بهذا الأمر"، "لم يقم النبي باغتصاب صفية"، "لم تكن عائشة تسع سنين حين دخل بها"، " لم يقل النبي: لقد جئتكم بالذبح. فمن أين أتيت بهذا الكلام؟" هذه عبارات وردود فعل كثيرة يمكن أن نضعها تحت مرحلة الإنكار. فكلها تعبر عن حالة الصدمة الأولى مثلما صدمت أنا برحيل والدي. فلا نحب أن نصدق الأشياء المُرّة ولاسيما حين يتعلق بشيء أو شخص نحبه. وحتى نحمي مشاعرنا فإننا نلجأ إلى الإنكار.

مرحلة الغضب: تصلني إيميلات وتعليقات كثيرة من المسلمين الذين يجتازون هذه المرحلة، هناك من يدعو عليّ بالشلل والسرطان، وهناك من يهددني بالموت البشع الذي سيسلطه عليّ الله لأنني تجرأت على طرح الأسئلة حول ما هو مقدس لديه، ولأنني تجرأت على القرآن ومحمد. يهددني بعضهم بأنه سيقتلني ويتمنى آخرون أن يقوم شخص آخر بذلك بدلا عنه. ولا تقتصر إيميلات الغضب على ذلك، بل إن أوصاف المسلمين لي تدل على غضبهم مما أقول: أنت كذاب، صهيوني، عميل، كلب، حقير، عدو الله، ملعون، لعنك الله ياخنزير، يا غير الرشيد... هذه كلها مصطلحات لا حصر لها تؤكد لي أن مرحلة الغضب تستحوذ على الكثيرين. وتكمن المشكلة في أن بعضهم يتجاوزها إلى باقي المراحل، لكن آخرين يبقون حبيسين لها. وهم يحتاجون إلى علاج أو دفعة تخرجهم منها حتى يمروا مرورا صحيا من المراحل التالية.

مرحلة المساومة: في هذه المرحلة يكون المسلم قد تأكد من صحة النص، وقد تأكد أن كلامي موجود في مراجعه، لكنه يحاول أن يساوم، فتجد عبارات مثل هذه: "ربما لم تفهم النص جيدًا:، " أخطأ الطبري في تفسيره"، "أخطأ كل المفسرين"، "ليس كل ما في البخاري صحيحًا"، "ربما لو ذهبت عند عالم مسلم لشرح لك الأمر"، "ربما هناك حكمة في الأمر لا أعرفها"... إلخ،. وهذه كلها محاولات مستميتة من المسلم لإيجاد طريقة يستعيد بها ثقته بالإسلام. فالصدمة تدفعه إلى البحث عن شيء يجعله يساوم النصوص ويساوم فهمه ويساوم كل شيء ليبقي إسلامه حتى لا يفقده. فهو لا يريد موت حبيبه. ويدفعه ألم الفقدان إلى البحث عن مخارج وسيناريوهات أخرى تبقي الإسلام حيًّا في داخله.

مرحلة اليأس: حين يواجه المسلم نصوصا كثيرة، وليس نصا واحدًا، وتفسيرات كثيرة وحقائق كثيرة تقود كلها إلى نتيجة واحدة، ألا وهي أن دينه ليس هو الحق الذي اعتقده طيلة حياته، وأنه ليس بتلك الصورة الجميلة التي رسمها له، وأن هناك جانبًا مظلمًا مخيفًا داخل نصوصه المقدسة، يصاب عندئذٍ بنوع من الإحباط واليأس. تصلني رسائل كثيرة من مسلمين يمرون بهذه المرحلة، يسألني أحدهم: "أشعر بالضياع حين اكتشفت أني كنت مخدوعا. لقد فقدت ديني. فماذا أفعل؟" ذهب إيمانه وذهبت ثقته. فالأرض التي كان يقف عليها لم تكن صلبة كما ظن طيلة حياته. إنه إحساس رهيب لا يمكن أن تتمناه لأي شخص، لكنه ضروري وصحي، ولكي ننتقل إلى المرحلة الأخرى لا بد أن نمر منه. كان إحساسي واستسلامي لحقيقة موت والدي مؤلمًا، وكان إحباطي قاسيًا عندما تيقنت أنه لم يعد موجودا ولن يعود ثانية، لكنه كان إحساسًا ضروريًّا حتى أشفى منه لأستمر في الحياة. وينطبق نفس الشيء على المسلم. فلكي تكمل حياتك، لا بد أن تدفن الإسلام وتقبل حقيقة موته لديك.

مرحلة القبول: هذه أكثر المراحل راحة، حيث تقتنع بقبول الأمر الواقع: "نعم مات الإسلام"، "نعم كنت مخدوعا"، "نعم لم يكن محمد نبيًا"، "نعم القرآن ليس كلام الله"... حين يتقبل المسلم هذا الأمر، يكون قد دفن الإسلام، ويكون قد ارتاح من عبء حمله كل سنين عمره، ويكون قد تخلص من إحساسه بالضياع ومن آثار الصدمة. وماذا بعد؟ لا تخف، ستستمر الحياة. لن تتوقف الحياة بموت الإسلام عندك. وعلى نقيض ذلك، سترى الدنيا من منظور آخر - سترى الحياة من زاوية أخرى، ستنظر إلى كل الناس بعين الحب، وبعين المساواة. ستعلم أننا هنا في هذه الحياة لنعيش ونساعد بعضنا بعضًا... تصلني تعليقات مفرحة من مسلمين كثيرين وصلوا هذه المرحلة الأخيرة، فيقولون لي: "شكرا، لأنك كنت السبب وأعتقتنا من هذه العقيدة المدمرة. شكرا لأنك ساعدتنا على الخروج من هذا السجن المظلم"...

لا يمر الجميع بهذه المراحل بنفس الترتيب، بل قد تتداخل أحيانا. ولا نقضي كلنا نفس المدة. إذ يتوقف الأمر على قدراتنا وشخصياتنا وعلى ظروفنا، لكن الطريقة الصحية المثلى لنواجه الأسئلة حول الإسلام هي أن نسمح لأنفسنا بأن نجتاز تلك المراحل، ونحاول أن نتفهمها. فهي مراحل طبيعية للنفس البشرية لكي تحافظ على توازنها وتحمي نفسها من الجنون.

Related

Share

Rating

5.53 ( 38 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث