اختفاء السيدات والفتيات المسيحيّات والأسلمة - مقالات
أحدث المقالات

اختفاء السيدات والفتيات المسيحيّات والأسلمة

اختفاء السيدات والفتيات المسيحيّات والأسلمة

القس/أيمن لويس

أصبح اختفاء السيدات والفتيات المسيحيات ظاهرةً مقنّنة في مصر إذ لا يكاد يمر يوم حتى نسمع عن أكثر من حالة اختطاف، وهذا طبعًا بخلاف ما لا نسمع عنه من حالات لا تصل إلى الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، حيث إن الإعلام العام، سواء الخاص أو الرسمي يتجاهل قضايا الاضطهاد والابتزاز الموجهة ضد المسيحيين في مصر. ومن العجيب أنه رغم شيوع الأمر ورغم أنّه يُمارَس بكل وضوح وتجبُّر إلا أن موقف الكنيسة في هذا الأمر ربما يفهم على أنه نوع من الرضى، أكثر منه حالة من العجز وقلة الحيلة، مما يدعو إلى الاستغراب والاندهاش! فرغم أن الكنيسة يمكن أن تتخذ العديد من المواقف والأفعال إلا أنها لا تفعل شيئًا. إن هذا الأمر يسبّب ألمًا لكل مسيحي غيور يملك قدرًا من الكرامة، والشرف، والمسؤولية الروحية والاجتماعية تجاه عقيدته وبني جلدته.

علينا ان نعترف بشجاعة ونقول: إنه كما أن هناك حالات تغيبت فيها سيدات وفتيات تمت أسلمتهم عن طريق الاختطاف والتهديد والبلطجة، إلا أن هناك أيضًا حالات نتيجة للتورّط في علاقات عاطفية فجذبهم الهوى والاحتياج العاطفي والشهوة. أحيانًا أخرى يتم خداع الفتيات بقذارة نتيجة الصداقة مع فتاة مسلمة تشترك في مؤامرة لابتزاز الصديقة المسيحيّة وتهديدها بصور أو خطابات أو خلافه. وبكل صراحة ايضا نقول إن التشجيع على الأسلمة معلن وواضح، وتشترك فيه العديد من الجهات سواء بتوجّه شخصي أو مؤسسي، والرسالة الإعلامية خير شاهد!

تزاوج المؤسسة الدينية الاسلامية والدولة: إن الأسلمة في مصر واحدة من أهم أولويات الدولة المصرية؛ فمن الواضح أن تهميش المسيحيين ليس هو الغرض الّذي يُشبع رغبة المسلمين! بل الغرض الحقيقي هو الاستئصال. فتحيز السلطة للمواطن المسلم واضح لا تخطئه عين، والتشجيع على أسلمة المسيحيين يتم أولاً بتقديم كل التسهيلات للمسيحي، وبتشجيع المسلم (حديث الإسلام) على الاستقواء على المسيحيين الذين خرج منهم. ويصل الأمر إلى إقامة حفلة جهارية "وزفّة" نكاية في أهله وأقاربه وأصدقاءه وإغاظة لهم، مع هتافات تحقير للمسيحيين والمسيحية وسط حماية من البلطجية وعناصر الأمن من كبيرهم إلى صغيرهم، من ذوي الدوافع الدينية الملتهبة والشعور الدفين بالتحفز على الآخر المسيحي. وتتعاون السلطة، بكل فروعها، مع المؤسسة الدينية ويتكاتف الجميع معًا لتتميم الأمر من خلال ممارسة الضغوط والتهديد، مع تغطية إعلامية شكلية وتصريحات رنّانة عن حقوق الأقباط وأنه لا يوجد تمييز ديني في مصر. يلي ذلك فاصل عن سماحة الإسلام الوسطي مشفوعًا بتوصية رسول الإسلام على أقباط مصر! فيتم تخدير أسرة المختطفة لحين إخفائها تمامًا، ويأتي التسويف من جانب السلطة الأمنية والتلاعب بأهل الضحية الملتاعين حتى تُنجز الخطة ويتم استيفاء الأوراق. يعقب ذلك الإعلان، بكل وضوح، أنها ذهبت للإسلام ويتم أخذ التعهدات بعدم التعرض على أهل الفتاة المتحولة للإسلام. ثم يُستكمل المشهد، فإذا كانت المتحولة متزوّجة ولها أبناء يتم استكمال الخطة والمؤامرة لخطف الأبناء لأسلمتهم. إنها شهوة الافتخار بالتزايد العددي حتى وان كان بإضافة أطفال الشوارع المشردين إلى الإسلام! المهم أن هناك من أصبح مسلمًا، مع شعور كبير بالزهو ونشوة الانتصار متمّمين القصد: "يعذبهم الله بأيديكم ويشفي صدور قوم مؤمنين". إنه الفوز العظيم وتحقيق الهدف بإذلال المسيحيين عامة وأهل المختطفة المغلوبين على أمرهم والمهدّدين على وجه الخصوص. وفي الغالب، يُهجّر أهل الفتاة ويشرّدون خوفًا أو رعبًا أو بالأمر المباشر أو هروبًا من الفضيحة أو بحثًا عن الإحساس بالأمان. إنه شعور عميق بالمهانة والمذلة والانكسار.

أين تقع مسؤولية الكنيسة، وما الأمر المنتظر منها؟ بمجرد ظهور العديد من حالات الأسلمة القسرية، وبدلاً من حالة الصمت المزري المعيب، ومن واقع رسالتها الرعوية، على الكنيسة أن تقوم بعقد الندوات والمؤتمرات الجادة لدراسة الأمر وفتح حوار مع المتخصّصين في مجالات علم الاجتماع والأسرة وعلم النفس والجوانب الروحية المتعلقة بالأمر. يجب دراسة أسباب ضعف الانتماء وعوامل التخلّي عن الحق والإيمان والهُويّة. من مسؤولية الكنيسة وواجبها حماية الإيمان والمؤمنين. كان منتظرًا من الكنيسة، بدل هذه المهادنة مع السلطة المتحيّزة وبدلًا من الارتماء في أحضان الأزهر؛ المحرّض والمخطِّط الأساسي لهذه المؤامرات، ألا تكف عن فضح الأمر وترويجه إعلاميًا على المستويين المحلي والدولي. كما يجب عليها أن تقوم بنشر إعلان دوري مدفوع الأجر في العديد من الصحف المحلية بأسماء المتغيّبين بسبب الخطف أو التغرير. على الكنيسة أن تساءل نفسها من نحو رسالتها التعليمية، فمن الواضح أنها تعطي الأولوية لتقديم الأرثوذكسية على حساب تعليم مبادئ المسيحية، وتحفيظ الطقس أكثر من شرح وتفهيم الكتاب المقدس. يجب مناقشة المسائل بكل جرأة وشجاعة: هل حجم الصيامات يتعارض مع الممارسة الزوجية؟ ليس من العيب أن نقول إن هناك من يشغلهم هذا الاحتياج الذي قنّنه إله السماء. ولهذا يقول الرسول بولس إن الاحتجاب وقت الصوم يجب أن يكون باتفاق الزوجين. هل تقدّم الكنيسة وبخاصة الأرثوذكسية دراسات دفاعية في العقيدة المسيحية عن الثالوث، والتجسّد، وألوهية المسيح؟ إنّ المسلمين يهاجمون عقائد الايمان المسيحي بالتشكيك فيها بكل شراسة، وبكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، جهارًا عيانًا في التعليم بكل مراحله، وفي الإعلام، بل حتى في أماكن العمل. إن إهمال الكنيسة للتعليم الأسري والتربوي، والاكتفاء بالطقس والدعم المالي البسيط للأسر المحتاجة دون التوجيه والإرشاد والتعليم، وفتح فصول محو أمية في الريف والقرى والمناطق الشعبيّة، وعدم تدريب الكوادر من العلمانيين، وعدم تدريب الكهنة بعقد المؤتمرات التعليمية للتجديد والتطوير الذهني، وكذا تهميش الدور العلماني داخل الكنيسة وتجميع كل الخيوط والمسؤولية في يد الاكليروس، كل هذا جعل نوال البركة الروحية نوعًا من الدروشة. إن عدم وجود برامج توعية كنسية قوية تجذب الشباب من الجنسيْن وتثقّفهم ثقافة النضج النفسي والعاطفي والاجتماعي والروحي هو سبب تكرار الكارثة. إنّ هذه الأمور توضح مدى مسؤولية الكنيسة ومدي تقصيرها. لقد صرح أحد الأساقفة ذات يوم بأن غالبية مشاكل الأقباط سببها الأقباط! هكذا تنظر الكنيسة لأمر الأقباط ومشاكلهم: إنها تتبّرأ منهم، وتتخلى عنهم، وتتنصل من مسؤوليتها بخصوصهم. فإن أخطأت الفتاة أو انحرفت فهو تقصير الأسرة ومسؤوليتها!

 الأسرة ومسؤوليتها التربوية: علينا أن نعترف أن الثقافة الإسلامية تحاصر المسيحيين في الإعلام، وفي التعليم، ومن أبواق المساجد. إننا شعب نعيش في السبي منذ 1400 سنة، وكل هذا الحصار أثّر في ثقافة الأسرة المسيحية وأضعف الهوية المسيحية. أضف لكل هذا عوامل الضغط الاقتصادي، وغياب الأب، وانهماكه وإنهاكه في العمل من أجل توفير احتياجات الأسرة، مما أدى إلى غياب الرقابة في المنزل. وتساعد وسائل الاتصال التكنولوجي على تسهيل الانحراف. أما عن المشاكل الزوجية والعائلية، وغباوة بعض الرجال، والجهل بالثقافة الجنسية، والعنف ضد الزوجات وانعدام القدرة على التفاهم والنقاش المقنع، وانتشار الأمية بين كثير من الآباء والأمهات فحدّث ولا حرج. نحتاج أيضًا أن نتفهم ارتفاع معدلات الفقر في مقابل زيادة الإغراءات وارتفاع سقف الطموح فيسيل له لعاب الضعفاء في المبادئ والعقيدة.

إننا كمسيحيين أمام مشكلة كبيرة بل أمام مؤامرة، علينا مواجهتها بكل جدية. لننسَ حماية الدولة لنا وحقوق المواطنة. إن سلطات الدولة تعمل ضدنا لا معنا. نعم، نحن نلوم الكنيسة كمؤسسة، ونلوم أنفسنا أيضًا، فجميعنا متخاذلون.

Related

Share

Rating

7.00 ( 1 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث