ما الذي يقف خلف صعود وانهيار داعش؟ التنظيم استغل النزاعات الداخلية في الدول العربية لكنه بدأ ينهار بعد عملياته الإرهابية - مقالات
أحدث المقالات

ما الذي يقف خلف صعود وانهيار داعش؟ التنظيم استغل النزاعات الداخلية في الدول العربية لكنه بدأ ينهار بعد عملياته الإرهابية

ما الذي يقف خلف صعود وانهيار داعش؟ التنظيم استغل النزاعات الداخلية في الدول العربية لكنه بدأ ينهار بعد عملياته الإرهابية

تسفي برئيل

من الصعب تصديق أن هذه المغامرة التي سميت داعش أو تنظيم الدولة الإسلامية أحدثت عاصفة في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم فقط، قبل ثلاث سنوات ونصف السنة. وأكثر صعوبة التصديق أن هذا التنظيم آخذ في التلاشي. إذ فقد معظم المناطق التي احتلها في العراق وسوريا (في شرق سوريا وفي جنوب العراق ما زال يدير المعارك الأخيرة)، معظم مقاتليه عادوا إلى بلادهم وقيادته تقوم بالاختباء ومركز نضاله موجه نحو تنظيمه الأم، القاعدة، التي تعود إلى الحياة بعد فترة طويلة عانت فيها من تسرب مؤيديها إلى أحضان زعيم داعش أبو بكر البغدادي.
يبدو أن الانفصال عن داعش صعب جدا، إلى درجة أن هناك من ينسبون له مكانة «فكرة» أو أيديولوجيا، وكأنه خلق نمط حياة إسلاميا جديدا وأصيلا جمع بسحره المؤمنين المسلمين في العالم. هذا تنظيم ناجع أحسن في تشخيص واستغلال الفرص التي وقعت في طريقه بفضل تواصل الأزمات الداخلية في الدول العربية ـ نتيجة فشل الثورات الداخلية في إسقاط الأنظمة في عدد منها.
هنا دخل داعش إلى الصورة. وقد أراد تجسيد رؤيا قديمة بطرق جديدة. هذه رؤيا تسعى إلى العودة إلى نظام الحكم الذي كان سائدا (حسب تفسيره) في فترة النبي محمد، وواصل طريق السلالة الأموية والعباسية، ووصل في نهايته إلى انهيار الامبراطورية العثمانية عند انتهاء الحرب العالمية الأولى. تلك البنية التي ارتكزت على زعيم أعلى واحد لكل العالم الإسلامي وعلى حلم مثالي طمح إلى توحيد كل الشعوب الإسلامية في أمة واحدة لها دولة واحدة.
ولكن داعش لم يخترع هذه الفكرة، والبغدادي ليس الوحيد الذي طورها. على مر التأريخ كان هناك مفكرون مسلمون كتبوا عنها ودعوا إليها، وكانت هي المحور الذي تجمع حوله ملايين المؤمنين في العصر الحديث، المؤمنون اقتنعوا أن الطريق الوحيد لوقف النفوذ المدمر للغرب، وإصلاح الأخطاء وتطوير قوة ضد الاحتلالات الكولونيالية، هي من خلال العودة إلى «الدين الحقيقي»، «الإسلام هو الحل»، هذا شعار الإخوان المسلمين. من أجل تحقق ذلك فإن الدين يحتاج حسب هذه الرؤيا إلى إطار سياسي شامل موحد يتغلق على الدمار الذي زرعته فكرة القومية.
هذا ليس فقط طموح المسلمين المتشددين أو طموح الحركات الراديكالية، بل يشاركهم هذا الطموح أيضا مفكرون عرب ما زال عدد منهم حتى الآن يؤمنون بفكرة العروبة كإطار موحد، مثل الذي يمحو «كارثة» اتفاق سايكس بيكو من عام 1916، تلك الخطوط الاعتباطية التي كانت أساسا لإقامة دول عربية مستقلة. وهكذا، عندما تبنى داعش اسم «الدولة الإسلامية» التي هدفت إلى محو تلك الحدود، وجد مؤيدين أيضا في أوساط مسلمين عارضوا القسوة الفظيعة التي اتبعها التنظيم.

الطريق إلى السيطرة

ليست الفكرة فقط هي التي ساعدت داعش على تجنيد آلاف المتطوعين الذين حاربوا في صفوفه. فقد غذت استراتيجيته وقوت صفوفه النزاعات الداخلية بين الدول مثل المواجهة العنيفة بين النظام العراقي والأقلية السنّية، الحرب الطاحنة التي شنها نظام عبد الفتاح السيسي في مصر ضد الإخوان المسلمين الذين حظوا بدعم شعبي كبير في الربيع العربي، والفوضى التي تطورت في ليبيا بعد إسقاط القذافي وقتله.
هكذا كان يمكن لقوة تتكون من 25 ـ 30 ألف مقاتل السيطرة على مناطق واسعة في مواجهة جيوش نظامية في سوريا والعراق. في الأولى كان جيش النظام ينشغل بالقتال من أجل بقائه أمام المتمردين القوميين والمسلمين. وفي الثانية كان الجيش ينشغل في النضال ضد الأعداء في الداخل مستندا إلى جيش يعتبر في نظر السنّة قوة محتلة. في النجاح الذي حققه التنظيم أسهمت أيضا فترة طويلة نسبيا كان فيها العالم غير مبال. في تلك الأيام قدروا في الغرب أن الأمر يتعلق بتنظيم آخر من المتمردين، وعلى أي حال، ليس تنظيم يهدد أوروبا أو أمريكا الشمالية. داعش، خلافا للقاعدة، لم يكن قد اعتبر بعد الغرب عدوا يجب نقل ساحة القتال إليه. ولكن مع تمركز داعش في العراق وسوريا وتطوير فروعه في ليبيا ومصر من خلال نيل ثقة تنظيمات محلية، عملت تحت مظلة القاعدة أو متعهدي عمليات مستقلين، وفي الأساس بعد أن بدأ التنظيم تنفيذ عمليات في الدول الغربية تغيرت الأمور. التنظيم بدأ في جذب اهتمام دُولي اليه وتدخل عسكري أجنبي.
في هذا المجال أحدث داعش عددا من التغييرات التكتيكية في المنطقة من دون أن يقصد ذلك. هكذا وجد التحالف بين روسيا والولايات المتحدة الذي لم يكن القاسم المشترك هو انقاذ الشعب السوري أو بقاء بشار الأسد، بل محاربة داعش. الولايات المتحدة التي قلصت وجودها وتدخلها في سوريا إلى درجة الاختفاء تماما من الساحة، كان يمكنها الاستمرار في العمل في المنطقة بذريعة محاربة الإرهاب. روسيا التي تحولت إلى سيدة البيت في سوريا لم تكن بحاجة إلى التبريرات. المعركة التي أدارتها ضد داعش كانت ثانوية وأحيانا هامشية موازنة مع التحالف الغربي، لكن محاربة الإرهاب أفادتها جدا.
تركيا التي انضمت منذ 2015 إلى التحالف السنّي الذي أقامه الملك سلمان، بدأت بالعمل العسكري في سوريا فقط بعد أن أطلق داعش قذائف على أراضيها ونفذ عمليات في مدنها. ولكن حينها أيضا تم استخدام داعش من قبل تركيا ذريعة جيدة لإظهار قوتها ضد الأكراد المتمردين الذين تعتبرهم إرهابيين.
بصورة متناقضة ضم داعش إيران، وإن كان بصورة غير رسمية، إلى تحالف القوات التي تحاربه. في فترة ولاية الرئيس براك أوباما ـ الذي تردد في رده العسكري ضد داعش خوفا من أن تورطا كهذا من شأنه أن يحبط أو على الأقل يعوق توقيع الاتفاق النووي ـ تم اعتبار إيران دولة «إيجابية» في كل ما يتعلق بمحاربة الإرهاب السنّي الراديكالي. هذه الإيجابية تدحرجت أيضا إلى اليمن، هناك نظرت الإدارة في واشنطن حتى إلى الحوثيين بشكل مختلف، كحركة شيعية يمكنها صد انتشار القاعدة. نتيجة جانبية أخرى هي الشرخ العميق بين الولايات المتحدة وتركيا، الذي حدث في السنة الأخيرة. هنا كان انتخاب ترامب الذي واصل بصورة كثيفة الحرب ضد داعش، الذي فضل الاعتماد على الأكراد في سوريا الذين أثبتوا أنفسهم قوة ناجعة في القتال.

العجز العربي

السيطرة الجغرافية لداعش في العراق وسوريا اثبتت ايضا العجز العربي والإسلامي ـ السنّي، الذي كان إسهامه الأساسي متمثلا بالإدانة. تدخل عسكري حقيقي ـ باستثناء هجمات مصر واتحاد الإمارات على قواعد داعش في مدينة درنة في ليبيا ـ لم يوجد. كل دولة من الدول العربية واصلت العمل ضد التنظيمات الراديكالية فيها، وبرغم الاتفاق على أن داعش هو تهديد عابر للقوميات، لم تتم بلورة قوة عربية ذات أهمية لإحباط هذا التهديد.
الفجوة بين حجم التهديد الذي ازداد باستخدام محكم للدعاية الإعلامية لداعش، الذي لم يحرم المشاهدين في العالم من أي مشهد مرعب (من قطع الرؤوس العلني مرورا بإحراق الطيار الأردني وهو على قيد الحياة، وحتى اغتصاب النساء الجماعي) ورد الدول العربية الذي يقتضي التساؤل عن أسباب ذلك. يمكن تشخيص ثلاثة أسباب رئيسة للاستخفاف العربي والإسلامي. الأول يتعلق كما يبدو بالاعتقاد أن تهديد داعش هو شأن داخلي يتعلق فقط بسوريا والعراق، وهي دول غير محبوبة في الساحة العربية. العراق بسبب تقربها وعلاقاتها مع إيران وبسبب حكومة شيعية في معظمها.
وسوريا التي تم طردها من الجامعة العربية بسبب الشخصية الدموية للأسد. السبب الثاني يستند إلى الاعتقاد أن الدول القومية القوية المهيمنة مهددة من قبل إرهاب متقطع، ولكن خطر سيطرة داعش عليها ليس فوريا. في حين السبب الثالث ربما الأهم هو أن الدولة الإسلامية ليست حقا دولة معادية، بل هي تنظيم في الوقت الذي يحقق فيه القدرة على السيطرة سيتحول إلى تنظيم إرهابي محدود لا يحتاج إلى التدخل العربي ـ وهو بالتأكيد لا يستطيع التعتيم على تهديد إيران التي ضدها مستعدة هذه الدول أن تتوحد.
«الدولة الإسلامية» أسهمت أيضا في فهم من اعتقد أن القومية العربية قد انتهت وأن حلم العالم الإسلامي آخذ في التحقق. وقبل تعرض التنظيم للهزيمة في العراق وسوريا فقد أثبت تجنيد القوات في العراق ـ الذي ضم أيضا الأكراد (برغم التوتر السائد بينهم وبين النظام) ـ وقتال جزء من مليشيات المتمردين ضد داعش، أثبت أن التهديد على «سلامة الوطن» هو أهم من النضالات الطائفية.
ليس عبثا أن تحرير مدينة الأنبار ومدينة الموصل في العراق من سيطرة داعش، تم اعتباره نصرا وطنيا. وليس عبثا أن الانتصار على داعش في الرقة في سوريا خلق صراعا بين النظام والمتمردين الأكراد حول مسألة السيادة على المنطقة المحتلة. ولكن أيضا في هذا الصراع يبحث الأكراد مثل باقي المليشيات عن شرعية لسيطرتهم من الدولة. هكذا فقد زاد وجود داعش في هذه الدول وفي دول أخرى في الشرق الأوسط، الشعور الوطني ضد من اعتبر عدوا أجنبيا، برغم الصراعات والمواجهات العنيفة بين المليشيات وبينها وبين النظام.
ظهور داعش في الشرق الأوسط ليس مرحلة هامشية عابرة، عملية تصفية الحسابات مع المتعاونين معه بدأت فقط. الاستنتاجات من العمليات الإرهابية حتى لو كانت بعيدة عن الشرق الأوسط لم تنته مع انسحاب داعش وعودة مقاتليه إلى بلادهم. القاعدة ستحارب الآن على مكان التنظيم في ساحة الإرهاب المتوقعة، التي تسعى إلى أن تصبح في الطليعة. الأمر المؤكد هو أن فكرة الدولة الإسلامية تعرضت لضربة تأريخية، ستبقي صدمة طويلة الأمد لدى من يحلمون بالأمة الواحدة.

هآرتس 15/12/2017

ترجمة القدس العربى

Related

Share

Rating

0 ( 0 reviews)

Post a Comment

الفئة
خيارات أخرى
  • Recent
  • Popular
  • Tag
علامات البحث